أبو العلاء شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء .. الإيمان المعقلن .. وزائر الليل

العدد: 
15066
جمعة, 2017/09/08

منذ فتوتي أقمت جسراً من التواصل الدافئ بيني وبين أبي العلاء المعري من جهة وبين الفيلسوف الألماني آرثر شبنهاور نظراً لموقفهما التشاؤمي من الحياة الدنيا  وصولاً إلى أقصى حدود التشاؤم ولكن ما إن سنحت لي الفرصة بقراءة كتاب ( العالم كإرادة وفكرة ) لشبنهاور حتى اتضحت لي الفروق الكبرى بين شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء من جهة وبين الفيلسوف الغربي شبنهاور من جهة أخرى، فمن يقرأ ديوان المعري ( اللازم من لزوم ما لا يلزم ) وكتابه النثري ( الفصول والغايات في تمجيد الله ) يتضح له أن بينهما برزخاً غير متناه على كل أو معظم الأصعدة والمستويات  وإن كانا على تواصل واتفاق في النظرة السوداوية من الحياة.

فالمعري توالد فيه الحس العدائي للحياة من واقعه الشخصي على الصعيد الفيزيولوجي باعتباره كفيف البصر إضافة إلى التناقضات التي كانت تكتسح المجتمع العربي الإسلامي في عصره في القرن الرابع الهجري وحتى يومنا هذا ، بدءاً من الظروف التي كانت تمارسها السلطات الحاكمة بحق حملة لواء الفكر النصي وتواصلاً مع رواد التوجه الصوفي إضافة إلى ولادة طبقة جديدة تتمسك بالشكل وتنأى عن الجوهر وعدم التماس النص القرآني الذي يتسم بالحيوية  المذهلة إضافة إلى تشكل طبقة الكهنوت الديني لدى بعض الفرق الإسلامية التي تعتمد الشكل لأنها لا علاقة لها مع جوهر النصوص التأسيسية قرآناً وسنة وكل ذلك شكّل قوى ضاغطة على العلماء والمثقفين وذوي الفكر الحر والحؤول دون الميلاد التجديدي للنصوص التأسيسية وفقاً للزمان والمكان والأحداث .. فكان الجمود والنوم الأبدي للفكر والإنسان منذ حينه وحتى يومنا هذا.

وهذا ما ساق المعري إلى العودة إلى الينبوع الوحيد للإسلام متمثلاً بالذكر الحكيم وأقوال النبي الخاتم التي لا تخرج في معناها عن الآيات القرآنية، ولكن جراء كثرة الجداول النقية وسيرها في كل تربة اتسع التضاد بين تلك الجداول التي انطلقت من ينبوع واحد  .. فغدا المجتمع العربي الإسلامي غثاءً أحوى. من هنا كانت عودة أبي العلاء إلى محكم التنزيل الذي نتلمسه في كل ما كتبه شعراً ونثراً، لكنما يتمركز بشكل واضح في كتاب (الفصول والغايات في تمجيد الله) الذي يركز فيه على منطلق عام هو التوحيد محاولاً ما استطاع أن يقدر الله حق قدره وأن يستمسك بمعطيات الوحي وفق مفردة العقل ومشتقاتها .. لعلهم يعقلون .. لعلهم يتذكرون .. لعلهم يتدبرون .. كواحد من أولي الألباب الذين منحهم ذي الجلال والإكرام امتيازاً خاصاً لأنهم في منأى عن الآية الواردة في أواخر سورة الأعراف (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون) الأعراف آية 179 وهذا النص القرآني المحكم على تواصل مع نص قرآني آخر شغلني أكثر من ثلاثين عاماً حتى وصلت إلى فهم معقلن له بإذن الله ألا وهو (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) سورة يوسف آية 106.

ومن يستوقفه هذان النصان تتضح له أهمية إدانة الخارجين عن دائرة العقلنة إما بغفلة أو بقصور عقلي أو غباء تاريخي كما أصف به نفسي في معظم الأحيان وأصف به مجمل المجتمعات العربية والإسلامية بدءاً من الكهنوتين الديني والسياسي لأن معظمهم يخالطه الشرك بحكم انتمائه الطائفي أو بحكم انتمائه إلى أولياء الشيطان دون أن يدري، فمنهم من هو بعيد عن الحق ولوائح القيم وهذا ما تطلع المعري إلى عدم السقوط في شباكه وأرجو من الله أن يكون قد أفلح وأن أكون أنا أيضاً من المفلحين بإذن الله.

زائر الليل

أحلام اليقظة شيء ورؤى وأحلام النوم شيء آخر، وكل امرئ يتسكع في رحاب أحلام اليقظة هرباً من كوابيس الواقع الذي يرتهن وجوده تطلعاً إلى ما يريد في المستقبل. ومن المؤكد أنه ليس من حقي التعميم لكنما أستطيع القول: إن الشارع العربي يجتر أحلام اليقظة من مشارق الضاد إلى مغاربها وقد أردت الخروج منها شخصياً ليوم وليلة فآليت على نفسي عدم مقاربة أحلام اليقظة واعتمدت توقيتاً محدداً يوم الثالث عشر من آب لعام 1999 وأمضيت النهار في العمل وكنت أستهلك الأزمنة إبان ذهابي إلى هنا وهناك بتسبيح بارئ الأكوان كعادتي مردداً (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله).

وما إن قررت النوم حتى وضعت كتاب (الديوان الشرقي للشاعر العربي) لغوتة مقرراً متابعة هذا الامتحان الصعب وبعد أن أخذني الكرى حتى طرق بابي زائر الليل ..

فتحت باب الدار فإذ بي أمام عجوز ينوف عن الثمانين يمسك بيده عصا يتلمس بها الطريق ما هي بعصا موسى ولا أحد من الرعاة وعرفت من سماته أنه المعري فاحتضنته مرحباً وقلت له:

ليتك اصطحبت معك أستاذك المتنبي وصديقه الأمير سيف الدولة الحمداني لنقيم نحن الأربعة حواراً دافئاً.

قال: سامحك الله ألم تعلم أن سيف الدولة اعتزل السياسة والمتنبي ترك الشعر احتجاجاً على الأمة التي يرسم لها المفسدون في الأرض دروباً ستودي بها إلى الهاوية وكلاهما يردد:

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم

                       يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

سألته قائلاً: ولم اعتزل كل منهما مهامه التي كان متزاوجاً معها؟

أجاب: لأن معظم ساسة هذا الزمان جهلاء وسيف الدولة لا يمارس السياسة في جاهلية جهلاء، والمتنبي قد لا يجد من يتخذه صديقاً في أزمنة الفتن وكذلك صديقه الأمير.

قلت: وأية فتن تتحدث عنها يا أبا العلاء؟!

قال: ما هو ملاقيكم .. ستخترقكم الفتن الطائفية والعنصرية وسيوظف لها من اتخذوا إلههم هواهم كل طاقاتهم وأرجو ألا تكون منهم.

قلت: فهل تنصحني بالرحيل؟

قال: أنت محكوم عليك بالبقاء في قومك لأنك لا تمتلك القدرة على الفراق وستزغرد الفتنة في معظم الجغرافيات سورياً وعربياً وإسلامياً وسيتجسد قولي في عصركم أكثر من ذي قبل:

ألو الفضل في أوطانهم غرباء

تشذ وتنأى عنهم القرباء

قلت: وماذا نفعل يا حكيم الشرق والغرب؟

قال: ولات حين مناص .. لم تأخذوا الحيطة أنت والأجداد من قبل، وما هو آت ملاقيكم فعليكم بالصبر.

قلت: هل أمامنا إصباح بعد الفتن والمحن كما تقول يا صديقي؟

قال: إن ربيعكم ملاقيكم هو الآخر، وأظنه في الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين.

وانتهت الرؤيا مع إطلالة نداء الفجر ..

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة