قصة .. قلوب ترفض الدفء

العدد: 
15066
جمعة, 2017/09/08

شيءٌ ما في هذه الإنسانية أصابته طفرة استهدفت الحب والصدق وقيماً أخرى. طفرة قاسية أصابت الغالبية ونسيتني، رمتني وكأسي مترعة بآلام الحياة من غير شريك أو رفيق يساعدني ويشعر بآلامي. شيء ما أصاب هذه الحياة بالجفاف، حياتي وحياة من أترعت كأسهم مثلي؛ فما كان مني إلا أن أمضي باحثة عن الحب الهارب.

بحثت عنه طويلاً في المدن، داخل ناطحات سحاب، في معامل التعليب... غرتني أضواء المدينة وزينتها ولافتاتها المضاءة التي تحمل كلمات الحب الباردة، بحثت في شوارعها، حاراتها، لعلني أعثر عليه، فما وجدت غير آثار دموعه التي ذرفها قبل الرحيل. تتبعت أثره، صعدت جبالاً، هبطت أودية .. تعبت .. أتعبتني الرحلة كثيرا حتى أيقنت بأن الحب قد مات، ولم يعد له وجود. وقفت على رصيف رحلتي يائسة متعبة، ولكن شيئاً ما وخذ قلبي بقوة، ورطّب اليأس بأنداء الأمل.. وعدت أستأنف المشوار.

وصلت مغارة مرعبة ظلماء، ترددت، خفت، إلا أن نداء قلبي المستغيث دفعني بقوة إلى الداخل. ثمة حراس وجوههم بلا ملامح، استوقفوني وطلبوا مني رهن الدخول إلى مغارة المفقودات الإنسانية. طلبوا قلبي وما فيه رهناً، رفضت بقوة، توسلت بذل، بكيت.

- خذوا عمري رهنا، خذوا قطعة من جسدي، أما القلب فلا.. إنه دليلي ولا حياة بدونه.

رأفوا بحالي، أخذوا عينا واحدة من عينيّ، وأعطوني نصفي شمعة من عمري.

-أشعلي نصفاً واحذري أن تشعلي النصف الآخر ففيه هلاكك.

فرحتي بالأمل الذي راودني بالعثور على الحب أنستني ما فقدت وما قد أفقد. أضأت نصف شمعة من عمري، ودخلت المغارة، مررت في أنفاقها وملاويها، وبدأت القشعريرة تغزو خلايا جسدي...قلت في نفسي: إنها حرارة الخوف وبرودة الدفء المقهور.

انهالت علي صواعق وأصوات تنبعث من جوف المغارة وجدرانها تأمرني بالتراجع . قدماي تعدوان وتعدوان وكأنني أسابق الرياح الشتائية... فجأة بدا أمامي دهليز معتم، دخلته، وشمعتي تقاوم الريح. رفعتها إلى الأعلى أتحسس طريقي فالتفّت من حولي أرواح بيضاء شفافة فرحة تهلل لقدومي ،حملتني وأوصلتني إلى دوامة كبيرة مضيئة مخيفة، ثم اختفت.

رأيت الكثيرين حول الدوامة يتحلقون ممن تركوا أجزاءهم رهائن لدخول المغارة، منهم من فقد رجلاً، وآخر ساعداً. هذا ينادي على الصدق: أن عد، وآخر ينادي على الضمير: أن تعال.  ومنهم من أدركه اليأس فعاد يسترجع رهانه ويحفظ ما بقي من عمره. وكانت دموعهم تنساب بغزارة.

ورأيت .. ثم رأيت.. ويالهول ما رأيت.. رأيت القليل منهم من تجرّأ وغاص في الدوامة فابتلعته وازدادت به توهجاً.

كنت أعلم أن من أهينت كرامته، وطردته قلوب الإنسانية من مدائنها لن يعود بالنداء، وكان لا بد لي  من أن أخوض التجربة، وأحترق بنار المشهد لأصل إلى اليقين كفراشة العطار، فاندفعت، واقتحمت الدوامة، فراحت تجذبني إلى متاهات في الأعماق. وكان كل ما يدور في خلدي أن أعيد الصدق والضمير والوفاء والسلام والخير إلى الإنسانية الممزقة، ثم فطنت إلى أنه لو أضفت مئة عمر إلى عمري لما أعدتهم جميعاً ، ولكني لو أعدت الحب وحده لعاد الباقون بالضرورة.

دوختني الدوامة، أتعبتني، أفقدتني الوعي ولما صحوت رأيت شيخا يحملني متعثراً بقلوب متحجرة . كانت أنفاسه الدافئة قد أيقظتني من غيبوبتي، ودموعه الساخنة المنهلّة تلسعني.

وضعني بين قلوب ملونة، ومضى يعلق بيديه المرتعشتين قناديل من قلوب بيض وحمر، ما إن يفرغ من تعليق أخدها حتى ينطفئ الآخر. وراح يشعل النار تحتها ليبعث فيها الدفء ودموعه تتساقط على خديه.

- من أنت يا عم، ولماذا تبكي؟

تنهد طويلاً وقال:

- حرام عليك يا صغيرتي أن تخسري نصف عمرك لأجل إنسان تحجَّر قلبه منذ زمن  وتخلّى عنك.

- أنت الحب؟

- قولي حطامه.    

- إذن أنت تعرف سبب مجيئي، وتعرف حبيبي، دلني على قلبه وارأف بحالي.

أشار بلا مبالاة بإصبعه المليئة بالفقاقيع إلى قلب متحجر بحجر شفاف بارد. اقتربت منه  بشوق وخوف، تأملته، ضممته إلى صدري، ثم التفت إلى الشيخ وقلت:

- ولكن ما سبب إشعالك النار تحت هذه القلوب؟

- أريد أن أبعث الدفء فيها لأسد بها رمق حياتي .  سكت لحظة ثم أردف: والآن اخرجي ياصغيرتي فشمعة عمرك تذوب.       

- لن أخرج قبل أن أشعل معك نار الحب في قلوب الإنسانية جمعاء، وأصطحبك معي إلى مملكة النور.. مملكتك ليست هنا بين هذه القلوب المتحجرة.

- اخرجي يا فتاتي ، المهمة صعبة جداً ولن..

صمت حين رآني أعلق القلوب وأذكي النار تحتها بدموع مجففة وحفنةٍ من الألم الملتهب، أغراني وجود القلوب المضيئة فزدت من اشتعالها، وبدأت لسعاتها تحرقنى..تشوهني.

- ياعم النيران تحرقني

أمعنت النظر فيه فإذا هو بلون الجمر وقد امتلأ جسده بفقاقيع تزداد ولا تندمل.

- إنها الفلوب الباردة ترفض الدفء وتخاف منه.

لا حت أمامي صورة قديمة، ثمة شاب وسيم جداً أبيض بلون الثلج مشرب بحمرة الدم، مبتسم دائماً.. قلت بلهفة:

- أهذا أنت أيها الحب، كم أنت جميل، وما سبب الجرح النازف في جبينك؟

نظر إلي وقال بألم:

- إنه الشيطان، لم يتركني لحظة واحدة، يريد طردي من قلوب البشرية، فلا تغررك ابتسامة الشيطان ويداه ملطختان بدماء ملايين القتلى في الحروب، يريد قتلي نهائياً ولكن مازال هنالك خير وأمل، ثمة قلوب تسعى لإنقاذي، وتحميني في داخلها.

-ومالي أرى ذلك القلب الكبير المتعالي في الفضاء الواسع يشع ولا ينطفئ كباقي القلوب.

-إنه قلب الرب، راحم خلقه، ونور مشعشع منه في داخلي هو سر بقائي، يمدني بقلوب مازالت تحمل البراءة والأمل. .. والآن اخرجي يا صغيرة ولا تهلكي بقية عمرك البهي هنا.

-أنا لست صغيرة، ثم إني أستطيع تدفئة قلب الحبيب مع باقي القلوب.

أريته القلب الذي أحتضنه فنظر إلي بهدوء ، ثم أطرق رأسه وقال:

- لكنه متحجر، إذا لم يكسر الحجر، ويزال ما حوله من شوائب متحجرة، فلن يدفأ.

حملت القلب برفق وضممته إلى صدري، وراقبت الحبيب داخله في مرآة نفسي، كان يهلوس بعد النقود ويقول:

-هذا لا يكفي..لا يكفي.. حظي تعيس ..حظي ملعون.

ضممته ثانية إلى صدري وبكيت ، قطرات من الدموع سالت فوق القلب المتحجر فهدأ قليلاً ثم عاد يردد:

-لا بد لي من جمع المال وشراء فيلا ومزرعة وسيارة حديثة.

هوت صفعة قوية على رأسي، لا أدري كيف وصلتني ومن أين فسقطت على الأرض وانطفأت الشمعة؟

-اخرجي قبل أن تهلكي، اخرجي بسرعة فقد ضاع نصف عمرك ولا أريد خسرانك يا صغيرتي. قال الحب.

-لا تخف يا عزيزي لدي النصف الآخر.

-ستموتين!

-مرة قلت له سأدفع نصف عمري لأراه حياً، والآن أدفع النصف الآخر ليتدفأ قلب الحبيب ويشعر بي ولو للحظة واحدة.

-أنت تضحين بنفسك..! يا لك من عاثرة عنيدة..

أشعلت النصف الآخر من شمعة عمري ، وعلقت قلب الحبيب وأضرمت النار حوله، فبدأ الشرر يتطاير علي مشوهاً صورتي.. ولكن ما همني ذلك، نسيت النار ، نسيت الألم .. ولكن ما نَفْع ذلك؟

خلعت ساقي ورحت أضرب به الحجر الذي يحيط بقلب الحبيب، انكسرت ساقي، خلعت الأخرى وتابعت تحطيم الحجر.

صرخ الحب: كفى..كفى.. إلهذا الحد تحبينه!؟

كلما خلعت عضواً من جسدي وحطمته على القلب المتحجر بدا قلبي بين القلوب أشد اشتعالاً وصفاء، وبدا الشيخ أكثر قوة وشباباً.

وأخيراً تحطم الحجر، وتحطمت أضلعي... ما همَّني.. ضممت القلب إلى صدري فراح يمتص حرارة قلبي، أما جسدي فبدأ يذبل شيئاً فشيئاً حتى لم يبق فيه غير الرمق، وراح قلب الحبيب ينبض بالحب ويرقص على أنغامه.

توسلت إلى الشيخ أن يدلني على مكان الحبيب لأرى نظرة الحب في عينيه فأدفأ. استجاب الشيخ بعد أن يئس من الأمل في خروجي.

-ولكن لا أستطيع السير أيها الشيخ الجليل والدرب جمر ملتهب.

كان الشيخ يرثي لحالي وهو يجمع دموعه ودموعي وجزل آلامي المستعرة ليزيد بها النار اشتعالاً.

مضيت أزحف وأزحف على الجمر ، ولحمي يتساقط عليه، ودمائي تنزف من أضلعي المبتّرة، والآلام تمزقني. كان حبي وإرادتي أعظم من أهتم لهذه الآلام.

وأخيرا وصلت..

نعم وصلت أخيرا للحبيب .. كان .. كان يضم إحداهن . ساءه أن ينظر إليّ وأنا بعين واحدة.. ساءه النظر إلى صورتي المشوهة..  خاف .. خاف مني، من أعضائي المبتَّرة

خاف.. ثم اختفى .. وبكيت.

شعرت بالألم ، لا لشيء وإنما لأجل نبضة حب واحدة عدمتها منه!

هرول إلي الحب باكياً وقدماه ترتعشان على الجمر. حملني ليقذف بي إلى روضة الحياة قبل فوات الأوان.

رفضت، وخلعت جسدي حتى بقيت روحاً بيضاء ترفرف.. عانقت الحب، قبلته، وجلست قربه أوقد نار الحب في قلوب الإنسانية المعذبة. وتمتمت:

-لو أن لي ألف عمر، وألف جسد، وألف شمعة، لما بخلت بها عليك أيها الغالي، وسأظل أشعل شمعة أعماري المتعاقبة إلى ما لا نهاية، حتى تدفأ القلوب الباردة المتحجرة، ويعود إلى الإنسانية ألقها وفردوسها المفقود .. فالحب هو سيد الوجود.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أمينة حنّان

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة