رواسب ورموز في التراث اللامادي .. المزج بين عالمين وتداخل الحدود

العدد: 
15066
جمعة, 2017/09/08

بالرغم من تطور الحياة، وسيادة العقل العلمي، لم يتخلص الناس تماماً من المزج بين الدين والأسطورة، بل وحتى السحر، في حياتهم الاجتماعية والسياسية. مثال ذلك تتجنب أذى الجن كأن يقول المرء في مجال الممارسة: "دستور يا حاضرين" لأخذ الإذن من الجن قبل صب الماء الساخن، لئلا يقع ذلك الماء فوق رأس جني فيؤذيه والتي تفعل ذلك من النساء فقد " يَلْطُشُها الجان"، وهنالك حكايات كثيرة كنت أسمعها عن نساء "ملطوشات"، أي مسكونات بالجن، يتعرضن لعذاب جسدي غير مرئي.

ومثله أيضاً في مجال التخريف،ما رواه لي طبيب قريب، بالرغم من دراسته العصرية إلا أنه يؤمن بهذا التخريف، قال : إن الجن يُجْرون عمليات دقيقة للإنس في الأَعضاء الدقيقة كالأذن والعين! يضاف إلى ذلك ما تزخر به حكاياتنا الشعبية من قصص الزواج بين الجن والإنس.

ونذكر في هذا المجال الحروب التي قامت بين بني سهم وبين الجن حتى صعد بنو سهم الجبال، فلم يتركوا حية ولا عقرباً ولا خنفساء إلا قتلوها، والجن يتجسدون بأشكالها، حتى استغاث ملك الجن بقريش للصلح. والعرب نسبوا للقبائل البائدة: جديس، ثمود، عاد، العمالقة، جرهم، انحدارهم من زواج بين الجن والإنس أو الملائكة والإنس، ومن هنا جاء اعتبار القبور، والأماكن الخربة، والرطبة والوسخة والمهجورة في البيوت، مواطن للجن والعفاريت، وبعض الحمامات العامة أيضاً، وكانت تحية العربي للجن: عموا ظلاماً، إتقاء لشرهم، وأصابها التعديل اليوم فصارت "مساء الخير".

وبعض أسوارنا وأبوابنا التاريخية، حتى في العهد الإسلامي، نجد منقوشاً عليها ذلك الرصد السحري،لإرهاب العدو ومنع دخوله مثل باب الحيات، باب الأسود في قلعة حلب.. وهكذا. وما نزال إلى اليوم نجد بعض الناس يتحصنون ضد قوى الشر أو المرض بالحجابات والشَّبَّة والخرزة الزرقاء، ويرى الأسدي في موسوعته أن الحلبيين إذ يضعون على صدر الطفل قطعة من الشَّبة والخرزة الزرقاء المثقوبة فهم يرمزون بها لشعوب الشمال والبحر الغزاة، الذين عانت حلب من ويلاتهم الكثير، والشبة رمز لبياض بشرتهم، أما الخرزة الزرقاء فرمز لزرقة عيونهم.

ويعتبر بعضهم أن الجامع أو الكنيسة هما المكان المبارك، الذي تنحل فيه العقد إذا أتى المرء ببعض الأعمال فيه، كوضع الأقفال على باب ضريح النبي زكريا في الجامع الكبير بحلب، أو تحنية كفَّي الطفل فيه ليلة العيد ليكون كثير الرزق، أو تبييت الأرملة أو العانس، في جامع البختي ليلاً، كي تخطب قبل ظهور نجمة الصبح (الزهرة) وهذه العادة التي قد نظنها في شيء من الإسلام، تعود إلى عهود " أساطير الأولين ". ومواويلنا الشعبية تحفل بالتغني بنجمة الصبح، وكانت عبادة نجمة الصبح منتشرة في اليمن وخلال أعيادها يقام العرس المختلط، ومن طيور وحيوانات نجمة الصبح المقدسة الحمام والغزال، والعرب يشبهون المرأة الجميلة بالغزال. وتربط الحلبيات في هنهوناتهن بين نجمة الصبح والحب وأفراح العرس:

يا نجمة الصبح فوق الدار عَلَّيتى

شميتي ريحة الحبايب وجيتي ضوّيتي

ندراً  عليّ إذا راحــوا  لبيـتي

لاشعل لهم شحم قلبي إن خلص زيتي

ومنها ربط إبهامي قدمي الطفل الذي تأخر في المشي بخيط ليقطع الخيط أول خارج من صلاة الجمعة، ويقول له حامله: فك اشْكالو وكول اللي في ديالو. أما الضرب بالمندل فيذكرنا بكأس جمشيد أو مرآة الإسكندر، ويرى فيه الرائي ما يحدث في مناطق بعيدة.

والشرب من طاسة الرعبة المكتوب فيها آية الكرسي يذكرنا بتقديس موارد المياه في العهود الوثنية، وتقديس منابع الماء هي من بقايا عبادة حدد (بعل) رب العاصفة والأمطار. وكانت مياه نهر حلب، المسمى قويق الآن، وخاليس قديماً، كانت أسماكه مقدسة.

ومن عجائب الدنيا عند أهل حلب ثلاثة، منها اثنان مائيان، وهي: جب الكلب وقلعة حلب ونهر الذهب، ويزعمون أن المصاب بداء الكلب ينظر في مياه الجب فإذا رأى صورة كلاب فيه وسمع عواءها فهو ميت.

ولحفظ موارد المياه من العبث والسرقة نسجوا حولها الخرافات فزعموا ظهور جدي أمام قسطل الحارة يمنع الاستقاء منه ليلاً، فإذا جذبته تطاول جسده، وتقديس مصادر المياه مازال معتقداً لدى بعض الطوائف إلى اليوم. والماء هو مصدر الخصب والحياة، وهناك كثير من العادات والتقاليد تحمل هذه الرموز، كأن تلصق العروس قطعة من العجين، أي دقيق الحنطة الممزوج بالماء، على باب زوجها، ومنها التعميد بالماء وقطرات الزيت كمصدرين للخصب والنور، ومنها رش ماء الزهر على أكف ورؤوس المحتفلين. ولا يمكن أن نخطئ الروابط بين هذا الحطام الرمزي في المعتقدات الشعبية وبين تمثال ربة الينبوع، وهو موجود في متحف حلب، وهي تحمل بين يديها إناء فخارياً للماء يتوضع أسفل السرة ليمتزج رمز الحياة برمز الخصب.

إن موارد المياه عند الإنسان الديني مكان مقدس، فالمكان في مفهومه غير متجانس دنيوي وديني. وإن شعائر دينية معينة تستمر في الحياة، وتقع موارد المياه من ضمنها، تحافظ على قدسية هذه الموارد، كنبع زمزم، وأفضل هدية مباركة يحملها الحاج شيء من ماء هذا النبع، والسبلان في المساجد، وحتى القساطل تنسج حولها الخرافات، وقد رأيت صورة أحد القديسين في مدخل مغارة نبع الفوّار في جبال اللاذقية، يفور منها الماء ويغور، وإليه يعزى فضل الحفاظ على هذا المورد الحيوي.

لكن خروج هذه الموارد المائية من دوائر هذه الشعائر، وارتباطها مباشرة بخطة تنظيمية عقلية تقوم عليها الدولة، كشبكات المياه الحديثة، وتخفف الإنسان من القلق في تأمينها أو انقطاعها، أبعد عنها صفة القداسة، إننا نقف اليوم أمام خزانات المياه الرئيسية في المدينة فلا يثير فينا هذا الوقوف أية مشاعر قدسية.

ويحتل خبز القمح مكانة مرموقة من التقديس، والقمح من أقدم ما عرفه الإنسان ، يعود تاريخه و معرفته إلى العصر الحجري وجدت نقوشه و رسمه في الآثار  الكثيرة مما يُظهر مكانته التي كانت بمقام التوقير والتقديس . وتذكر الأديان بأن القمح من نبات الجنة نزل إلى الأرض، قد يكون موطنه الأصلي ما بين الشام ، فلسطين، الاردن، سوريا، لبنان،  وبين اليونان. فالإنسان الشعبي يحرص على ألا يرمي كسر الخبز في القمامة، وإذا سقطت قطعة خبز على الأرض فإنه ينفض الغبار عنها ويبوسها ويضعها على جبينه احتراماً لهذه النعمة. وللمسيحيين دعاء محبب وأثير قبل الطعام إذ يقولون: اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا.

 ترتبط الزراعة واستنبات القمح وانعطاف الحضارة بالمرأة. المدونات الشعرية السومرية تتحدث عن صراع الأخوين من أجل الفوز بقلب إنانا، وهو صراع في جوهره بين حضارة الرعي وحضارة الزراعة، حيث يذهب الأخوان "ان-تين" المزارع أو الفلاح السماوي و "إيميش" الراعي إلى معبد "نيفور" ليقدما القرابين للرب " إنليل" وبالرغم من أن "أوتو" شقيق إنانا يحاول إقناعها بالزواج من الراعي إلا أنها تفضل المزارع الذي ينبت الخضار والقمح في الحقول. تقول إنانا:

       لن أتزوج الراعي، ولن أضع معطفه الخشن

       على جسدي

       ولن أحيك الثياب من أقطانه

       لن أتزوج سوى المزارع الذي يجعل الخضار

        تنبت في الحقول

      والسنابل تغطي السهول

وإلى عهد قريب كانت العروس تحمل معها قطعة من العجين (قمح طحين وماء) وتلصقها على باب بيت زوجها لتحمل معها الخصب والنعم، فإذا ولدت وكبر الولد وبدأت أسنانه  بالطلوع عملوا له سليقة (قمح مسلوق)  وزينوها بحلوى المدردر. وكان الواحد يضع يده على رغيف الخبز ويقسم "وحق هالنعمة"، ويقول المرء لصاحبه مؤكداً صداقتهما "بيناتنا خبز وملح".

والخبز هو الرمز الطبيعيّ لسرّ الإفخارستيّا، كما أراده المسيح متكلّماً عن خبز الحياة والخبز النازل من السماء (مائدة السماء)، وهو رمز نعمة الله: " اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، وهو رمز المشاركة،  ولذا تسمّى المناولة ويقدّم الخبز في ذكر الأموات (بهيئة قمح أيضًا ويسمّى رحمة أو سليقة)، - ويوزّع بركة في آخر القدّاس. ويؤكل بهيئة قمح مسلوق في عيد القديسة بربارة ( 4 كانون الأول) والسبت الأول من الصوم. وهو يرمز إلى الحياة والقيامة. وعلى شواهد القبور ينقش رسم سنابل القمح أو أغصان نباتات كرمز للانبعاث واستمرار الحياة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة