مأساة دولة بورما .. قراءة وتحليل

العدد: 
15066
جمعة, 2017/09/08

زمانُ الظلمِ في الدنيا تمادى...

على البرآء واستشرى وزادا

تحوَّل ابن جلدتنا أداةً...

لنهجِ الغربِ فاستغنى وعادا

وفي وطني بغاةُ الأرض جاؤوا...

باسم الدين قد هدموا البلادا

وفي بورما يموت الناس قتلاً ...

ولم نرَ منهُمُ إلا حِيادا

رأيتُ تناقضاً منهم عجيباً...

دليلُ خيانةٍ لهمُ مُرادا

تماماً  كما  تأثر جميع المسلمين في أصقاع الدنيا بحركات الإسلام السياسي المتشدد وتَسَتُّر الإرهاب بالدين ووصم دين الإسلام بالعُنف فإن مسلمو بورما قد تأثروا بذلك أيضاً وانعكس عليهم سلباً حيث اُستخدم ذريعة لارتكاب أعمال عنف وإبادة جماعية ضدهم، كما أن تدمير حركة طالبان لتماثيل بوذا في باميان بأفغانستان قد أوجد ذريعة أخرى لأعمال العنف ضدهم من الغوغاء البوذيون.

وقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بالحديث عن بورما وجرائم الإبادة الجماعية للمسلمين فيها، ولعلَّنا ننطلق في سردنا هذا من وازعٍ دينيٍ رسَّخه ودفع إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، ومن لم يصبح ويمس ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط.

ومن هنا فنحنُ بحاجة للتعرّف على بورما بشكلٍ أوضح حيث أن: بورما هي دولة تُسمى فيما مضى "أراكان بورما" وهي دولة يدين شعبها بالإسلام منذ القرن السابع الميلادي، ورسمياً هي إقليم في دولة تُسمّى "جمهورية اتحاد ميانمار" وهي إحدى دول جنوب شرق آسيا وتقع على امتداد خليج البنغال، تحدّ بورما من الشمال الشرقي الصين، وتحدها من الشمال الغربي الهند وبنغلاديش، وتشترك حدودها مع كل من لاوس وتايلاند، أما حدودها الجنوبية فسواحل تطل على خليج البنغال والمحيط الهندي ويمتد ذراع من بورما نحو الجنوب الشرقي في شبه جزيرة الملايو.

يوجد في بورما حالياً شعبٌ يدينُ بدين الإسلام يُسمى "الروهينجا" حيث يعيشُ هذا الشعب كأقلِّية نسبتها (10 % ) في مجتمعٍ يدينُ بالبوذية، وهذه الطائفة المسلمة تتعرض للإبادة والتشريد، عبر فتراتٍ متعاقبةٍ في التاريخ.

• ففي عام ( 1784م) احتُلت أراكان من قِبَل الملك البوذي (بوداباي) الذي قام بضم الإقليم إلى ميانمار خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، واستمر البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين "الماغ" الذين ينحدرون من أصلٍ هندي على ذلك.

• وفي عام (1824م) احتلت بريطانيا ميانمار، وضمّتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية حتي استقلالها في (1948م) .

• وفي عام (1937م) جعلت بريطانيا ميانمار مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة ميانمار البريطانية.

• وفي عام (1948م ) منحت بريطانيا الاستقلال لميانمار شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما أن حصلوا على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، واستمروا في احتلال أراكان بدون رغبة سكانها من المسلمين (الروهنجيا) والبوذيين (الماغ) أيضاً، وقاموا بأبشع الممارسات ضد المسلمين.

• في عام (2010م) جرت انتخابات في ميانمار غير أن أحوال المسلمين فيها لم تتغير وبقي مخطط التهجير العرقي والديني قائماً؛ وقد نجح في تهجير ما يزيد على الأربعة مليون مسلم إضافة إلى مئات الآلاف من القتلى.

عندما نقرأ قول المهاتما غاندي: (إذا رأيت سمكتان في البحر تقتتلان فاعلم أن وراء اقتتالهما بريطانيا) نُدرِكُ أن هذا الرجل الكبير كان دقيقاً بوصفه من خلال تلك البصيرة والحكمة التي تمتع بها؛ لقد وصَّف حقيقة بريطانيا وذيولها؛ تلك الحقيقة التي لا يمكن أن تخفى على المتابعين لصنائعها عبر التاريخ، فبريطانيا ـ ووريثتها أمريكا ـ هي التي لعبت دوراً أساسياً في إذكاء نار الحروب في العالم وتعود إليها لعنة معظم الدماء المسفوكة فيه عبر القرون الأخيرة ذلك أنها هي من دعمت واحتضنت الصهيونية العالمية ومنحت لها مركزاً في قلب وطننا العربي الكبير.

لقد كان الحال كذلك في بورما حيث قام الشعب البورمي المسلم بمقاومة الاحتلال البريطاني بقوةٍ وشراسة مما ألقى في قلوب البريطانيين الرعب تجاههم فبدأت بريطانيا حملتها للتخلّص من نفوذ المسلمين باعتماد سياساتها المعروفة (فرِّق تَسُد) فعَمَدَتْ على تحريض البوذيين ضد المسلمين، وأمدّتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحةً ضخمةً جداً عام ( 1942م ) فتكوا خلالها بحوالي مائة ألف مسلم في أراكان بورما؛ ثم سارت عقارب ساعة الثأر والحقد والانتقام إلى هذه الأيام.

وإذا أردنا أن نتذكر الداعمين لحركة الإخوان في بداياتها وللحركة الوهابية ولتنظيم القاعدة ولجميع الإسلاميون الذين حملوا السلاح ضدَّ الإنسانية جمعاء، إذا أردنا أن نبحث وراء تلك التسميات التي ظهرت فخرَّبت في وطننا سورية باسم الدين سنجد وراءها الصهيونية العالمية صنيعة بريطانيا وأمريكا.

ولا أدلَّ على ما تقدم من موقف أولئك المُدعين الدفاع عن الإسلام من الإبادة في بورما؛ فأين هم مما يحدث هناك؟ أين أولئك الذين يزعمون أنهم يتوقون إلى الجهاد أين الدواعش والنُّصرة وفتح الإسلام وغيرهم، أين داعميهم؟ ألم تلقَ استغاثات الشعب المسلم المنكوب في آذانهم سمعاً؟ أم أن صمماً في آذانهم ووقراً.

إن جرائمهم التي ارتكبوها في بلادنا تعطينا دليلاً قاطعاً على أنهم مجرّد أداة لتنفيذ مخططات الصهيونية العالمية في تدمير دول المقاومة والممانعة.

إننا نأسى على كل قطرة دمٍ تُراق في بورما بل في كل أصقاع الأرض؛ غير أنَّ حزننا شديد على شهداء وطننا الذين ضحوا بدمائهم الزكية لنحيا.

فيا ربَّنا ارحم شهدائنا وشافي جرحانا وانصر وطننا وارفع الظلم عن مسلمي بورما وعن كل إنسانٍ مظلوم يا أرحم الراحمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة