سعيد فريحة .. أسلوب وصفي ممتع وروح مرحة

العدد: 
15070
ثلاثاء, 2017/09/12

من مواليد لبنان 1925 وكان كثير من الناس يظنونه سورياً ومن مدينة حلب بالذات.

فعلى مر التاريخ فإن مدينة حلب تفتح ذراعيها لكل قادم إليها تستقبله بالورود والرياحين فيسكن فيها وحين الفراق والعودة إلى موطنه الأصلي تودعه بالدموع التي تنسكب على خد من يفارقها.

وتبقى حلب وفية حتى لمن عقها وهدمها في السنوات الأخيرة فهي الحضن الدافئ للجميع وتقدم لهم قوت يومهم بكرامة وعزة وهي موئل للأدباء والصحفيين.

وهي كما سورية الأب الرؤوف والأم الرؤوم للعرب قاطبة فهذه هي الحقيقة شاء من شاء وأبى من أبى.   

وعندما كنت صغيراً وفي بداية قراءتي للصحف والمجلات أول ما سمعت من أسماء الصحفيين العرب هو سعيد فريحة وكنت مولعاً بإنجازاته وعصاميته فهو بحق قدوة للصحفيين مثله في ذلك مثل شيخ الصحفيين ونقيبهم المحترم شكري كنيدر.

وتولى رئاسة الحكومة والبرلمان في سورية مسيحي من أصل لبناني هو العلامة فارس الخوري وقد جاء اللبنانيون إلى سورية أثناء أزمتهم وعملوا فيها مثل السوريين.

وعندما لجأ الفلسطينيون إلى سورية عام 1948 صدر قانون في عام 1956 بمعاملتهم معاملة السوريين أو بتعبير قانوني بحكم السوريين.

في سورية لا نسأل المسؤول من أين أنت وما هو أصلك؟ بل يكفي أن يكون فعله وطنياً أصيلاً وفياً وسعيد فريحة واحد من هؤلاء فقد ضمته حلب طفلاً يتيماً ورعته وعلمته وقلدته ثوب الصحافة صاحبة الجلالة التي كانت تصول وتجول في منتصف القرن العشرين قبل وصول التلفاز إليها وإلى بقية الدول العربية وعاد فريحة إلى بيروت كالبطل المنتصر ليبني امبراطورية صحفية يضاهي فيها أضخم دور الصحافة العالمية وحين أسلم الروح إلى بارئها كان ذلك في دمشق قلب العروبة النابض وعاصمة سورية.

وكما قال الرئيس اللبناني الأسبق شارل الحلو: من أراد أن يتعلم الصحافة الراقية فليذهب إلى حلب.

جاء سعيد فريحة إلى حلب عام 1928 ليعمل في صالون حلاقة افتتحه المرحوم توفيق عسال للسيدات في شارع التلل وكان فريحة شاباً في الثالثة والعشرين من عمره بهي الطلعة ذا عينين خضراوين.

فتدرب على تصفيف شعر السيدات وانخرط في مهنة المتاعب وكان يعشق القراءة والكتابة. واستأجر غرفة في زقاق الأربعين فاقتحم المجتمع الحلبي وعاش في قلب حلب التي لا تنام وأخذ يمارس هوايته في الكتابة على ضوء اللوكس في الحارة لأن بلدية حلب استبدلت بعض الفوانيس باللوكس في العشرينيات وسمي باللمبة أو الكلوب ووضع في الشوارع الرئيسية والساحات.

وكان الكثير من طلاب المدارس يدرسون في الثلاثينيات من القرن الماضي على ضوء اللوكس المجاني لعدم قدرة أهلهم على شراء زيت الكاز.

تدرب على الصحافة في جريدة التقدم التي يملكها شكري كنيدر في القسم الرياضي فكان يحضر مباريات كرة القدم ويكتب تفاصيلها بشكل ممتع لأنه كان من عشاق كرة القدم وكانت هي الرياضة الشعبية الأهم في حلب وما زالت كذلك حتى تاريخه.

فكان صاحب التقدم يصحح له الأخطاء ويتقيد بها سعيد فريحة فلا يكررها بل أصبح أسلوبه الوصفي الممتع أكثر أناقة وإثارة وكانت تعليقاته بروحه المرحة تزيد الموضوع متابعة حتى نهايته أي إن عقدة موضوعه تزداد بخط بياني مشوق فتحبس الأنفاس حتى النهاية وبذلك كان يحقق إيرادات جيدة للجريدة وأصبح سعيد فريحة يراسل جريدة الراصد في بيروت والقبس في دمشق ويروي نقيب الصحفيين بحلب شكري كنيدر كيف تعرف على سعيد فريحة فيقول:

(في لقاء صحفي عام 1929) كنت مرة أقرأ جريدة الراصد التي كان يصدرها في بيروت المرحوم وديع عقل، فوقع نظري على ريبورتاج كتبه صحفي ناشئ وقرأت الريبورتاج، فوجدت فيه روحاً صحفية ممتازة، أما كاتب الريبورتاج فكان اسمه سعيد فريحة، وفي الحال اتصلت بسعيد وعرضت عليه العمل في التقدم بمرتب شهري قدره ثلاث ليرات ذهبية عثمانية).

عمل فريحة عشر سنوات في صحيفة التقدم واكتسب خبرة جيدة. وكما وصف الرئيس اللبناني الأسبق شارل حلو الأستاذ شكري كنيدر وجريدة التقدم بقوله:

كنت أعمل في جريدة (برق الشمال) ولكن شكري كنيدر وجريدته (التقدم) كانت منارة للعروبة والوطنية ومدرسة تعلم الكثيرون فيها معنى حرية الكلمة وقدسية الحرف وسلاح القلم البارع الذي يوجع ولا يسيل الدماء ويدمر دون أن يمس شعوراً أو يجرح كرامة أو يفقد صاحبه الاحترام).

ويقول فريحة عن الأستاذ كنيدر وهذا يمثل قمة الأخلاق والوفاء للمعلم:

(لا أنسى يوم عملت معه وحولني من مراسل لجريدة الراصد لصاحبها أستاذي ومؤدبي الأول المرحوم وديع عقل إلى محرر في جريدة التقدم، وخصص لي مكتباً إلى جوار مكتبه فكنت أراه كيف ينحت المقالة نحتاً، وكيف يعصر فكره لاختيار الكلمة الواحدة وكان كنيدر ينصح فارسنا في مقالة اليوم الأستاذ سعيد فريحة قائلاً: (أنصحك بشيء واحد، وهو أن تعتمد دائماً في كتاباتك على المنطق والأسلوب الذي لا يسيل الدماء، ولا تنس أن الغرور داء قاتل، فإياك أن تغتر، وإياك أن تكتب شيئاً لست مقتنعاً به، وأن تتخذ من القلم مسدساً تطلق رصاصة على العزل من السلاح وأن تعتقد أو تتصور أن في هذه الدنيا سلاحاً أقوى من القلم، ومهنة أعز من مهنة الصحافة، شرط أن تحفظ للقلم حرمته وللمهنة كرامتها).

أصبح لسعيد فريحة معجبون يشترون الجريدة ليقرؤوها وزادت المبيعات وحققت الإيرادات ووطد علاقته بزعماء الكتلة الوطنية الذين يناصبون العداء لفرنسا دون أن يقدح أو يذم فرنسا بشكل فج يجعلهم يغلقون الجريدة.

عاد فريحة إلى لبنان عام 1939 ليعمل في جريدة (الحديث) لصاحبها إلياس حرفوش حيث انضم إلى الكتلة الدستورية ووالى رياض الصلح الذي كان على صداقة قوية مع زعماء الكتلة الوطنية فهو صهر عائلة الجابري بحلب وبقيت علاقته وطيدة مع جريدة التقدم بحلب.

وبعد ذلك المخاض العسير ولدت دار الصياد في بيروت التي تضم: الصياد، والشبكة والأنوار.

ومن باب الوفاء وعندما افتتحت دار الصياد، دعا فريحة أستاذه القديم شكري كنيدر من حلب لحضور حفل قص الشريط من قبل الراعي الرسمي آنذاك الرئيس كميل شمعون.

ومن ذكرياته مع أستاذه القديم، أنه حين كان يسافر شكري كنيدر لقضاء إجازته السنوية فإن سعيد فريحة يأخذ حريته في النشر بما يشاء ويهوى ويخرج على منهج التقدم وعندما يعود رئيس التحرير يضطر إلى نشر كلمة يقول فيها:

(لقد نشرت مقالات في غياب صاحب التقدم لا تعبر عن خطة الجريدة ولا عن سياستها ولذلك اقتضى التنبيه).

بدأ العصامي سعيد فريحة بناء دار الصياد في ضاحية بيروت عندما طبع كتاب (جعبة الصياد) فوزع منه 100 نسخة ممتازة على 100 صديق.

وجاء المحصول وفيراً أكثر مما توقع الجميع بل جاء بسرعة فائقة ومن قبل القلوب قبل الجيوب كما يقول رياض عبد الله حلاق.

وبدأ بشراء المطبعة ثم المقطع ثم شراء الأرض والبناء وهكذا كانت دار الصياد من أضخم دور الصحافة والنشر والتوزيع في لبنان والشرق الأوسط. وكان كل ذلك بمحبة الناس ومساعدة سعيد فريحة الذي يحبه كل صحفي سوري ولبناني.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة