اعترافات شاهد على نفسه !

العدد: 
15080
جمعة, 2017/09/22

في اليوم قبل الأخير من رحلتي الاستجمامية إلى منطقة مصياف الواقعة على سفوح هادئة مطمئنة كتاريخ مصياف المعروف بعراقته من قبل بدء البدء قبل الأعصر ،جلست مع نفسي أرتشف قهوة الصباح بدفء أخاذ يحتضنني لأسارع الآن إلى هذه الزاوية وأنا في حيرة من اعتماد عنوان لها مع أن كلماتها ومضامينها لا تستدعي هذه الحيرة وذلك الارتباك في اختيار تسمية لها، لكنما أوصًف ما مررت به ..هل أطلق عليها (عبق التاريخ) لأنها تمنحني هذا العبق حين أقوم بمثل هذه الرحلة الاستجمامية الفكرية لأحدد جغرافية سورية وذلك لأن كل الجغرافيات السورية تحمل هذا العبق كما كل نحلة تمتص عبق الزهور لتقدم عسلاً فيه شفاء للناس؟ أم أطلق عليها (اعترافات حزينة) لأن نفسي التي كانت ترشف معي وأرتشف معها القهوة كان يضاجعها الحزن حينما كانت نفسها اللوامة التي تمتلك ناصية الضمير الإنساني حيناً والضمير الكوني حيناً آخر تشير إليها بأخطائها وارتباكاتها التي تتوالد هنا وهناك؟

أم أطلق عليها (وقفات مضيئة مع الذات) في مصياف مدينة الحب والجمال والإنصاف والتي يحتضنني فيها بيت يتقن كل أبجديات الكرم والعفاف؟

وأخيراً آثرت أن يكون عنوانها: (اعترافات شاهد على العصر) لكنني أهملته لسبب بسيط قوامه أنني كثيراً ما أوظف هذا العنوان فأقدم نفسي أكبر مما أنا عليه لأنني أقل من أن أكون شاهداً على العصر وإن كنت أمتلك ملامح هذا التوصيف أو جزئياته وهذا غيض من فيض.

ذات يوم في لقاء في معهد دار اللغات الذي تمتلكه مؤسسة اللغة الإنكليزية ويديره الأستاذ أكرم قصاب وزوجته السيدة منار زيدان التي تمتلك ذاكرة مثقلة بالمعارف الدينية، سئلت عن حيثيات علاقتي الفريدة من نوعها مع السيدة وفاء (أم نوار) وزوجها الصديق منيف يوسف وإقامتي المؤقتة في بيتهما الذي يتقن لوائح القيم بقدر ما يتقن أبجديات الكرم والعفاف ،وأحببت بطريقتي العشوائية أن أعترف لكم بأنني كذلك في معظم الأحيان ،وهذا ما يدفعني إلى القول في مستهل وقوفي محاضراً في كل الندوات سواء في المراكز الثقافية السورية أو في دار الكتب الوطنية بحلب وفي كل المنابر الثقافية والأدبية: أيها الحضور الكريم أعتذر لكم عن كل زلاتي وسقطاتي لأنني قد أكون كاتباً مقبولاً أو مميزاً بالنسبة إلى فريق منكم لكنني أعتبر نفسي محدثاً من الدرجة الدنيا لأنني لا أمتلك ناصية الحديث.

وفي اليوم التالي إن لم تخني الذاكرة جالست نفسي اللوامة أو ضميري الكوني وأمسكت بدفة السفينة لأجيب: كانت الطالبة وفاء في كلية الآداب بجامعة حلب تتردد على مقر الجريدة لنشر ما تكتبه، وبحكم كوني أميناً للتحرير ورئيساً للتحرير بالوكالة فقد كان قدري استقبال الكتاب والشعراء والموافقة على النشر ولحسن الحظ ولعلها العناية الإلهية بي والله أعلم، كنت أحظى باحترام الجميع لأن نهجي كان قوامه (دع كل زهرة تتفتح) وهذا ما زرع بذور الدفء بيني وبينها إلى أن تخرجت من الجامعة واخترقها الجهاد الأكبر في سبيل لقمة العيش وممارسة شرطها الإنساني كمواطنة سورية تقدم ما في وسعها تقديمه لطلبة اللغة العربية وآدابها . ثم كان ما كان من وزاجها ومعرفتي بزوجها منيف إلى أن وصلت إلى مرحلة غدوت أعتبر كلاً منهما جزءاً من بنيتي العقلية والروحية، وكيف لا وهو مستمسك بالقيم الدينية والأخلاقية مع انفتاح على الآخرين في حين أنها أشد تمسكاً بلوائح القيم على كل المستويات وتستبطن فكراً يطوف في الآفاق ويعلو تواصلاً مع المجرات؟!

ومؤخراً وفد إلى بيت الكرم والعفاف السيد ميلاد خلوف وزوجته السيدة أصالة وهما مهتمان بالأمور ذات التطلعات الرؤيوية عقائدياً وفكرياً وأخذنا الحوار كل مأخذ وحدثتهما عن بعض دراساتي المتواضعة التي نشرتها على (الفيسبوك) كمصير العالم والفتنة والطائفية وأبجدية القرآن والكون بين القرآن وفيزياء الفضاء والقرآن والعلم والتواصل مع سكان الفضاء والمنطق العلمي في القرآن ... ولمست استعداداً مميزاً للخوض المعقلن في هذه القضايا الهامة، ووجهت إلي السيدة أصالة تساؤلاً عما بإمكاني قوله في حوار مع من لا يؤمن بالواحد الأحد، فأجبتها: ذلك يخضع لبنية التركيب النفسي والعقلي والبيئي للسائل ... ثم سألاني عن أولويات التعارف بيني وبين مضيفي، فقلت لهما: لعل ولدي الروحي أبا نوار أكثر دقة مني في الإجابة. ودار الحديث بين الحضور كما كل شيء في هذا الكون يدور، إلى أن تمركز حوار دافئ بين ابنتي الروحية أم نوار وبين ضيفيهما وكنت أشاركهم لماماً. وذات مرة اقتضى الحوار مني المشاركة لكنني لم أفعل لأنني على علم بأنني محدث فاشل بامتياز ...

هذا ما كنت أفصح به لضميري الكوني وأنا أرتشف قهوة الصباح بإيقاع سيمفوني لا أحظى به إلا قليلاً.

فماذا عن المميزين الذين التقيتهم في قرى مصياف السيدين رامز إدريس صهر وفاء أم نوار وأبي فريد سليم أسعد وأحفادي الروحيين نور أميرة الزهور وعلي وهمسة الذين كانوا يسارعون إلى إشعال سيجارتي وإطفائها بعد انتهائها؟

هذا ما سأحدثكم به لاحقاً بإذن الله ..    

فإلى ابنتي الروحية .. وفاء التي تمتلك الولادة المتجددة سمة غير قابلة للتوقف حادية مسيرة الأوفياء ... هذا الكائن الحي لما حباه الله به من توصيف يحمل في بنيته الداخلية قانوناً استمرارياً ما دام مستمسكاً بالوجود .. وهذا ما كنت أستشفه في حواراتها الدافئة منذ عقدين متواليين تقريباً.. فتراها تنثر كلماتها كأشجار التفاح وتقدم ثمارها للناس أجمعين كما ترسم بشفاهها قائلة: الأدب يهزم الوقاحة ... الكلمة الطيبة تعيق تحركات الكلمة الخبيثة .. شذى الورود يطهر بعطره ما سواه ... وهذا ما كان يحقق لها اختراق كل من حولها بحكم كونها مجنحة أبداً بفاعلية الخير كالنحلة التي لا تفرز إلا العسل .. انبثاقاً من إيقاع لوائح القيم التي كانت تحتضنها قائلة وبمزيد من الحسم والتأكيد: أنت إنسان بقدر ما تقدم للآخرين من خيرات ومسرات .. وهذا ما كان يحدو بي إلى إلحاقها بزمرة المباركين .. وهم قليلون.

إنها مباركة كزيتونة لا شرقية ولا غربية تفرز رحيقها صبغاً للآكلين.

ولهذا كنت أراها حيناً بعد حين كسماء سورية .. أعجوبة الدنيا .. مرصعة بالنجوم والكواكب والأقمار .. وكشجرة الصنوبر تثلج الصدور وتفرز ثمارها للناس في كل المواسم كما في كل السنين ما دام وجودها محققاً حضوره في الزمان والمكان.

إنك وفاء أميرة الأذكياء وملكة الملوك في فضاءات القيم السامية. وإنني أغبطك على ما حباك به بارئ الأكوان من إيقاع سيمفوني واحتضان للقيم الأخلاقية والدينية لا يعرف إلى التوقف سبيلاً !!! وهذا لا يحظى به إلا أولو الألباب.

وهذا ما يحدو بي إلى الاعتزاز حينما تقولين لي بكل حسم وثقة: أبي الروحي.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة