من بورما إلى جغرافياتنا العربية

العدد: 
15089
أحد, 2017/10/01

أذكر فيما أذكر أن الفيلسوف الحيوي هنري برغسون قال في كتابه الهام (الفكر والواقع): إن أصعب الأفكار هي التي يصعب تحويلها إلى كلمات.

وقد نجد في هذا القول ضرباً من التناقض لأول وهلة لأن المرء لا يستطيع أن يفكر بدون لغة وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكنه ليس صحيحاً بشكل قطعي أو مبرم ـ سيما أن الإنسان البدائي كان يفكر بالضرورة قبل إبداع اللغة التي تحقق له ممارسة القول الذي يحمل مدلولاً لما يحيط به، كما أن من يفقد إمكانية السمع والكلام معاً لا يمكنه إلا أن يفكر بشكل أو بآخر، وهذا يعني أن التفكير بدون لغة هو موجود حكماً، وقد يكون أسمى أنواع الفكر عامة.

ومن ناحية أخرى، نستطيع القول: إن أهم المشاعر والأحاسيس هي تلك التي يعجز المرء عن تحويلها إلى كلمات أو عبارات .. وما أكثر المواقف التي يعيشها كل منا في هذا الصدد .. فقد يحاول أحدنا توصيف مشهد الغروب وتنتابه الدهشة لكنه لا يستطيع الإفصاح بكلمات توصف إحساسه بروعة الغروب الذي يأخذه كل مأخذ  .. ومهما حاول توصيفه يبقى شعوره العميق فوق كل الكلمات الممكنة وأكبر من ألوان الرسام وخطوطه وظلاله، هذا إضافة إلى حالات مشاعر الحب التي تخترقنا على حين غرة وتبقى كل لغات العالم عاجزة عن توصيفها.

وسأضرب مثالاً يجابه كل ذي حس شفاف ومنطلق أخلاقي في القارات الخمس: هل يستطيع توصيف حالته وهو يشاهد كائناً بشرياً في بورما يضع مادة محرمة على كائن بشري مثله ويشعل النار في جسمه لسبب وحيد وهو أنه يعتنق الإسلام ؟!!

وإزاء هذه الوقائع المتكررة يومياً في بورما أقول وبمزيد من الحسم: إن من يحرقون بشراً مثلهم فإن الوحوش الضارية أكثر اقتراباً من لوائح القيم.

ولنقترب أكثر في المسافات بإلقاء نظرة على الجغرافيات العربية ومعاناتها المستمرة جراء الفتنة الخرساء التي تخترقها بوحشية تحاكي افتراس الوحوش إن لم تتجاوزها بما لا مقدرة للغة على توصيفه ...

يقتلون بعضهم بعضاً ويدمرون بعضهم بعضاً ويجوعون بعضهم بعضاً مع أنهم يتكلمون لغة واحدة وتحتضنهم جغرافيا واحدة ويؤمنون بإله واحد منذ عهد بعيد.

أية لغة قادرة على توصيف ما هو كائن في مواقع لا يستهان بها .. أأقول في (المستنقع العربي) مستسمحاً ممن يجدون في قولي هذا خطأ أو بعض الخطأ؟!

كنت أشعر كما لو أن جبلاً كبيراً يجثم على صدري بكل ثقله لمجرد تفكيري بهذا الافتراس في كل يوم وفي كل دقيقة في الشارع العربي كما في تضاريس بورما حتى كادت تتحول إلى براكين تفجر من عليها وتحرق من فيها ممن يحملون أشكال البشر وهم من فصيلة / الذئاب/ مثلهم في ذلك مثل مؤججي الفتن باسم الدين وأشهد الله أن الدين منهم براء براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام.

 إن أولئك وهؤلاء من أبناء تضاريس بورما وأنا متأسف على توظيف مفردة (أبناء) لأن الأصح القول: هؤلاء من وحوش بورما وجغرافياتنا الناطقة بالضاد، إنهم لا يكادون يختلفون عن بنية التركيب النفسي العدواني للذئاب مع أنهم يختلفون في الشكل، ويا لسوء الحظ يحملون مواصفات الإنسان الفيزيائية ويمارسون أفعال الضواري في حياتهم اليومية ويا لسوء الحظ يزعمون أنهم يتطلعون إلى القداسة ويدافعون عنها وزعمهم هذا لا يختلف عن زعم فرعون الذي كان يخيل إليه أنه يدافع عن حقه في الألوهية وهو مجرد عبد خسيس من عبيد الله الواحد الأحد.

رب العزة وصف نفسه بكتابه المخلوق (أي الكون) من خلال هندسته بدقة وإحكام كما وصف نفسه بكتابه المقروء (أي القرآن) بأنه رؤوف رحيم بالناس أجمعين في الحياة الدنيا وهنالك عشر آيات وصف فيها ذاته العلية بالرأفة المطلقة في الحياة الدنيا بكل أبناء آدم على اختلاف اعتقاداتهم وأعراقهم كقوله: (إن الله بالناس لرؤوف رحيم) الآية /65/ الحج، وقوله في الآية /47/ من سورة النحل: (ويأخذكم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم).

فأين أبناء بورما من المقدس الرؤوف الرحيم بإطلاق لكل بني الإنسان في الحياة الدنيا من هؤلاء الذين يدنسون المقدسات باسم المقدس؟! وأين أبناء الجغرافيات العربية الذين يحاكون بشكل أو بآخر ما يفعله أبناء بورما؟!

أبناء جغرافياتنا يخترقون قلوب العباد ويقررون بأن هذا كافر وذاك مؤمن ومن أنزل عليه القرآن لم يمنحه رب العزة ذلك مطلقاً بل كان يعامل الآخرين وفق أقوالهم وكما وصفه رب الأرباب في الآية قبل الأخيرة من سورة التوبة: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). وبالمناسبة أود الإشارة إلى أن سورة التوبة كان خطابها أقسى خطاب للمؤمنين ومع ذلك كان الرسول بهم رؤوفاً رحيماً فليس من حقه إلزام أحد بالإيمان وكل من أعلن شهادة أن لا إله إلا الله حرم دمه وماله وعرضه وبشكل يمكن القول فيه: إن القرآن كان أول وثيقة خطية في حقوق الإنسان عبر مطاوي التاريخ ،وهذا ما تؤكده مسيرة من أنزل عليه القرآن الذي بعث معلماً ومتمماً لمكارم الأخلاق حتى قال: المؤمن كالنحلة إذا وقعت على غصن لم تكسره. وإليكم هذه الأحاديث النبوية التي لا أكاد أرى فيها إلا إيحاء من التنزيل وروضة من الذكر الحكيم:

  1. عن جرير بن عبد الله قال رسول الله (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله).
  2. وقال (من حمل علينا سلاحاً فليس منا ومن غشنا فليس منا).
  3. وقال (أيما رجل أمّن رجلاً على دمه ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافراً).
حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة