إسهام في هندسة المستقبل !!

العدد: 
15094
جمعة, 2017/10/06

في الأزمنة الرديئة منذ قرون متواليات هنالك إشكاليات كبرى منها ما تحمل صعوبات ومنها الآخر ما يتركز على رأس الهرم من الاستحالة.. لكنما أنت وأنا محكوم علينا ممارسة العيش الذي هندسه لنا الآخرون في معظم الجغرافيات على أقل تقدير وفي هذا القرن المرهق بالتأزمات والفتن والمعاناة .. ليس عليك أن تكتب ما يكتنز جدوى فحسب ولكن عليك أن تقرأ ما في وسعك بدءاً من كتابي الله المرئيين (الكون والقرآن) إن كنت من أبناء لغة الضاد أو لم تكن منهم إذا كنت تمتلك رؤية بأن القرآن ليس منزلاً من لدنه مع أنه يتضمن حلولاً وإجابات على كل ما هو حولك هذا إضافة إلى قراءة وجوه الآخرين وما يرفدونك من تساؤلات سطروها في الفلسفة والعلوم والآداب لتخفف ما يعتريك من محن وما يحوم حولك من تساؤلات إسهاماً في رفد عجلة التطور إلى الأمام .

وبما أننا نحن أبناء الجغرافيات العربية ليس بإمكاننا الإمساك بحركة الزمان عالمياً فعلينا الإمساك بهذا الزمان العربي الذي تحياه مع أننا في منأى عن هندسته التي ما إن نحاول الإمساك بها حتى تتسرب من بين أصابعنا كالماء وإذا حاولنا اختراقه لفظنا واضطرنا للخروج منه طوعاً أو كرهاً .

فلمن هذا الزمان يا ترى ؟!

إنه لنا وللآخر.. كما أنه ليس لأحد على الإطلاق لما ينطوي عليه من غيبيات منذ أمد بعيد. في عام /1979/ قرأت في إحدى الصحف العربية بضع كلمات استوقفتني طويلاً مع أن الكلمات التي تستوقفني غدت قليلة جداً في زحام الألفاظ التي تحقق ركاماً سديمياً في القرنين العشرين والواحد والعشرين لأنها قد لا تعني أكثر مما يعني الزبد في ليلة عاصفة يتسارع فيها المد والجذر على شاطئ منفي .. تقول الكلمات بهذا الزمان الرديء تصادر كل الحقول الجميلة كما تصادر كل الزهور والثمار وينمو على أرضها عوسج مثخن بالأشواك .. في هذا الزمان الرديء تطأطئ كل الإناث والذكور هاماتهم لتعلو الجهالة والغباء فوق هامات الجميع .

هكذا وبكل بساطة تموت الأزهار وتغتال الثمار التي هي في طريقها إلى النضج وتذوي الأغصان ويجلد الإنسان المبدع وينتزع شرطه الإنساني ليسري داخله كابوس الجهل والفساد مترنحاً كثور ليس له خوار .. هكذا وبكل بساطة تسحق الورود لينبت مكانها عوسج كما اغتيل الحق من قبل في موقعة صفين فانطلق أبو موسى الأشعري أحد الحكمين مولياً الأدبار .. وها هي الأصالة ولوائح القيم ومفردات الحب والتسامح والشرف تغتال كل بقاع الأرض فيتم إزهاق الحق في هذه الأزمنة التي ترشح رداءة .. غدا كل شيء مقرفاً في كل الأصقاع حتى على تربة مهد الحضارات .

ولا غرابة في أمر هذا الزمان لأننا لا نجد غرابة في قنص العباد وإفساد البلاد في ظلال لوائح قيم الشر وإنما الغرابة إلى حدود الدهشة المقيتة وصولاً إلى البكاء في أمر أمة الأصالة والتسامح والعطاء التي لم تسارع إلى إيقاف براكين الشرور والآثام بالضرب بمطارق فولاذية على الجهات ورشوحاتها اللاأخلاقية كما لم تسارع إلى قطع هذه الخيوط المنسوجة من واشنطن إلى تل أبيب. وإذا كان ليس بوسعنا سوى إعلان براءتنا من هذا الزمان الرديء فإن إعلان براءتنا يساوي إعلان نهايتنا .. وهذا ما يحلم به الحالمون منذ السبي البابلي على يد نبو خذ نصر وحتى يومنا هذا .

صحيح أننا نعايش هذه الحالات يومياً بأشكال مختلفة .. منا من تحيط به كتأزمات ومنا من تجتاحه ككوارث مميتة في بعض الحيان وعلى مقربة من النزع أحياناً أخرى وصحيح أيضاً أننا نحاول كذباً وبهتاناً أو بغير وعي تبرئة أنفسنا وإلقاء اللوم على الآخرين ولو كان لدينا رشداً أو بعض الرشد لوضعنا أنفسنا في قفص الاتهام بنفس المقياس الذي نحكم فيه على الآخرين والأحرى أن يكون أشد قساوة لأننا لو كنا أهل للحياة الحرة الكريمة لما تجرأ الآخرون علينا ولما قاربونا إلا بالحسنى أو بالحيطة والحذر.

وقد يتساءل المتسائلون وأنا واحد منهم: لماذا يحصل ذلك كله منذ الحروب الوحشية التي شنها الغرب السياسي علينا باسم السيد المسيح عليه السلام والمسيح هو ومن هم على طريقة من هذه الحروب براء إلى يوم يقوم الأشهاد .

وقد يفرض علينا نفسه تساؤل آخر: لم نحن كذلك مذلون مهانون ؟

والإجابة الفورية ماثلة في ذهني منذ زمن بعيد وقد أكون مخطئاً بشكل أو بآخر وقد أظلم فريقاً بصورة أو بأخرى لكنما أقولها وبكل صراحة المسؤولية الكبرى في ما نحن فيه من قصور عقلي وغباء تاريخي وما يرافقها من عجز وفرقة وتقسيم وجهل وتخلف وفقر إلى آخر ما هنالك من سلبيات .. المسؤولون هم الكهنوتان الديني بالدرجة الأولى والكهنوت السياسي بالدرجة الثانية لأن الكهنوت الديني يكذب على الله وعلى الناس لجهله بكتابي الله .. كتابه المخلوق الكون وكتابه المقروء القرآن والكهنوت السياسي يكذب لجهالاته في كل شيء أو لإنزلاقه في أحضان الآخر وقد يكون في أحكامي هذه بعض الظلم لفريق من الكهنوتين السياسي والديني لهذا أسارع إلى استغفار ربي وربهم كما أسارع إلى استغفارهم .

وثمة تساؤل آخر يحيط بي وبكم لم لا يسارع كل منا إلى إقحام نفسه إيجابياً في ما نحن فيه من ويلات وأحداث جسام؟ وبمعنى أكثر وضوحاً لم لا يعايش الويلات تعالياً عليها وإخماد نارها بالقدر الذي يستطيع ؟

وهذا ممكن بحدود نادرة وإمكانيات متواضعة لأن عليه أن يجابه المجتمع كلاً وتفصيلاً ... ولم يجابه المجتمع؟ لأن هذا المجتمع هنالك من يؤثرون فيه وفق أهوائهم وتوجهاتهم عنيت بهم الركام الاقتصادي من صناعيين وتجار وذوي الحول والطول مادياً وهم في أكثريتهم الساحقة ألحقوا أنفسهم بالكهنوت الديني أو الكهنوت السياسي أو بكليهما معاً، كما أن ذوي الوعي الفكري قلة من المفكرين والأدباء والإعلاميين معظمهم متأثرون بالكهنوت السياسي أو الديني وهذا يعني أنه لا حلول ممكنة أو معقولة وتبقى خامات نادرة جداً أمثال أبي العلاء المعري وحيد عصره وفريق يسير من المتصوفة يومذاك ولا أرى إذا كان لهم أمثال في هذه الأزمنة الرديئة التي أخذت اسمها ممن يعايشونها من الذين اكتسبوا الرداءة ولصقوها بأزمنتهم.

فهل هذا يعني أنه ثمة تطابق بين الفكر والواقع؟

لا أظن ذلك كما لا أظن هنالك تطابق بين الإحساس والواقع الحياتي ولا بين الشعور والحقيقة لأن الكل يعلنون تذمرهم من صورة الواقع .. والكل ينادون بالاستقامة ولوائح القيم الدينية والأخلاقية ... ومع ذلك الكل يكذبون ويرتشون ويتهاونون بما عليهم ويطالبون بما لهم ... الكل يتهم الدولة وكل دولة في الجغرافيات العربية تتهم إسرائيل والغرب وهذا يحمل جانباً كبيراً من الصحة لكنما الأكثر صحة كلنا متهمون وهذا يؤكد لكل ذي بصيرة إذا لم تتحول الدولة إلى وطن للجميع فكل الطرق موصدة أمام التحرر والتحضر والكرامة.. على الدولة والمواطنين الاغتسال من مخلفات الأمس للحؤول دون السقوط جراء ضغط التصورات التقليدية وتوظيف كل الإمكانيات العقلية والقيمية والعلمية وصولاً إلى معرفة أكثر دقة ووضوحاً لاستجلاء الظروف الممكنة لتأسيس مجتمع حضاري ووطن حضاري وهذا ممكن جداً في الجغرافيات العربية والإسلامية وأكثر إمكانية في جغرافيات الهلال الخصيب ... وعلى التخصيص في سورية السياسية المهيأة بحكم منطق التاريخ كما بحكم الإرادة الإلهية إن لم يخطئني الحدس ... مهيأة للإسهام في حضارة المستقبل أي أننا سنهندس الأزمنة القادمة هنا وللآخرين وفق لوائح القيم وأبجديات الحضارة .

وليتهمني المسارعون بإطلاق الأحكام بما يحلو لهم إنه يشطح كما شطح أبو يزيد البسطامي والجنيد من قبل وليقولوا بأنني مخرف .. مجدف .. مهستر .. غوغائي والقول الفصل يتمركز على أرضية الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة