رواسب ورموز في التراث اللامادي .. العقوبة والتطهير

العدد: 
15094
جمعة, 2017/10/06

في التراث الأسطوري لشعوب المنطقة العربية القديمة (السامية) نجد أن كل شعب أو قبيلة أو رهط أو قوم، يحمل معه أسطورته التي دفعت به إلى الوجود، وأحلّته محلته، ورسمت لبعضهم أرض ميعاده. وإذا عدنا إلى كتاب التيجان، أخبار عبيدة بن شرية الجرهمي نجد أن عاداً ينسب إلى نوح، وكان له عشرة أولاد منهم شداد أول ملوكها الذي بنى مدينة إرم ذات العماد التي استحقت العقاب الإلهي. ثمة حكايات عن إرم تناولها الأجداد والقصاصون الشعبيون والشعراء والأدباء، واحدة من هذه الصياغات التخيلية (مسرحية إرم) لخليل هنداوي. ومن تراث هذه المنطقة الحكائي، أسطورياً كان أو تاريخياً، دينياً أو شعبياً، ثمة تركيز على عملية تقويم وتطهير مستمرة تقوم على فكرة الجزاء: الذنب والعقاب، الخير والثواب، هذه الركيزة الأخلاقية، واستعجال الحساب في الدنيا، لم يلغها الإسلام وإنما أكدها، وفصل فيها ألوان الثواب والعقاب في الآيات والأحاديث، وسواء فسرت هذه النصوص بمدلولها اللفظي - المادي الواقعي، أو بمدلولها الرمزي المعنوي فإنها لا تخرج عن هذا الإطار.

لقد استحق آدم الهبوط إلى الأرض لذنب العصيان، وأصبح وجه حام أسود مع نسله الزنوج لأنه نظر إلى عُري أبيه، واستحق قوم نوح وعاد وثمود العقوبة الجماعية لأنهم ضلّوا وأضلّوا وعتوا في الأرض مفسدين، والذين اعتدوا في السبت من اليهود صاروا قردة "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين /البقرة 65" وعلى البحر الميت ضربت سدوم وعمورة وخرج لوط مع ابنتيه واحتمى بالمغارة. وفي حين أن القصة القرآنية تكتفي بالحَدَث الأساسي لأن الغاية ليست كتابة التاريخ وإنما العبرة والهداية .

ومن الغريب أن نجد بعض الأقوال والأمثال التي تحمل رموزاً غامضة تعود إلى تلك الأزمنة وأساطيرها، من ذلك قول العامة (لا تعدّن بتطير بركتن)، وللذي يباشر العد يلحقونه بهذه العبارة (عد جمال أبوك)، والإبل وغيرها من الماشية هي المال، وللذي يباشر العد ونحن متخوفون من حسده نقول (خمسة بعينين الشيطان)، خاصة إذا بلغ العد خمسة أو زاد. والمسألة أساساً ترتبط بالجزاء، الخطأ والعقاب، إنها ذاكرة بعيدة مبهمة، ورواسب أسطورية قديمة تجعلنا نخاف من العقاب الذي يسببه الإحصاء، والحادثة تعود إلى خطيئة داوود حين أغراه إبليس أن يحصي شعب إسرائيل فكان أن غضب الرب وخيره بين ثلاث لعنات: ثلاث سنين من الجوع، أو ثلاثة أشهر من الهلاك في الحرب، أو ثلاثة أيام من الوباء.

لكن عصر الإحصاء اليوم يفرض انزياحاً طبيعياً عن هذه الأفكار الأسطورية، أما بقايا العبارات هذه لدى المثقفين فإنها ترد في معرض الطرفة، ولدى جهلاء العامة في معرض الاعتقاد.

ولا بأس في أن نعود إلى الخمسة ونبحث في قدسيتها التي أهلتها لأن تكون بمثابة رصد سحري ضد عقوبة العد أو الإحصاء الداوودي. فالخمسة عدد مقدس عند بعض المذاهب الغالية فهي عدد أصحاب الكساء وهم في اعتقاد هذه المذاهب خمستهم شيء واحد، والروح حالّة فيهم سوية، فهم سبب التكوين وسر الوجود، والخمسة هي عدد آيات سورة الفلق، المعوذة التي تقرأ لرد العين، وهكذا فالخمسة مؤهلة لتكون رصداً سحرياً ضد قوى الشر مجسدة في كف مبسوطة تعلق على صدر الطفل، أو ما نريد حمايته، ومنها أنه حين تنحر ذبيحة لتفجير بئر ماء، أو اكتمال بناء بيت، يغمس المالك يده في دم الذبيحة ويطبعها كفاً مبسوطة الأصابع الخمسة على الجدار. والعدد خمسة في الملاعنة يحمل العقوبة الإلهية: الغضب واللعنة " والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين".

إن بعض أمثالنا وأقوالنا وحكاياتنا وتقاليدنا يحمل تاريخاً أسطورياً تراكمياً مركباً ومعقداً وقد واجه الإسلام بعضها بنصوص واضحة الدلالة. من ذلك ما كان سائداً حول عتبات البيوت وارتباطها بالاعتقاد بالجن، وقد دفع التحمس للتدين بعض القبائل العربية من أهل الحرم والقائمين عليه إلى تحريم العتبة والدخول من باب خلفي، وفيهم نزلت الآية: "ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها" وهذا المدخل الشعائري نجده في بعض البيوت الريفية ويسمى بالخوخة، وبسبب طبيعة البناء في المدينة احتلت الخوخة جزءاً محدوداً من أحد مصراعي الباب الكبير في خانات حلب المنتشرة في الأسواق والمدينة القديمة. ونعود إلى الفكرة المطروحة وهي الخطيئة والعقاب، فهناك خطيئة رابضة عند الباب والوقوع فيها يؤدي إلى العقاب، وتجنبها يكون بهذه التضمينة المعمارية الأسطورية التي أخذت شكلاً جمالياً ووظيفياً حديثاً وغابت عنها الدلالة القديمة.

وحول فكرة العقاب أيضاً نجد الأم تحذر ابنها من لمس شيء قد يؤذيه كالنار أو السكين بقولها: واوا.. كأنها تخوفه من كائن خرافي، ويقودنا التفكير في هذه الكلمة، واختيار هذا التصويت من دون صوتيات باقي الأحرف، إلى بعض أحداث ملحمة جلجامش التي عاشت في الأذهان عصوراً متعاقبة، حيث نجد في هذه الملحمة وفي نصها السومري الوحش (هـ  واوا) حارس الغابة الذي دخل معه جلجامش في صراع مميت. وثمة أمثلة كثيرة يمكن أن تورد في هذا المجال.

أخيراً إن الوهج والفاعلية المستمرَّين في جزء هام من حياتنا وموروثاتنا يعودان إلى أن هذه الموروثات تحمل بقايا عالم قديم رؤيوي قائم على الاستعارة الشاملة، تتماهى فيه الأشياء في وحدة كلية تختزل العالم في زمن دائري أسهم المقدس في الضمير الجمعي في منح الخلود والاستمرار لهذا العالم وبقاياه ورموزه في مكانه وزمانه الغامضين وأحداثه وشخصياته وأفكاره. وعلى الرغم من سيطرة العقل العلمي الحديث فإننا لم نتخلص تماماً في حياتنا وممارساتنا وطقوسنا وعاداتنا من استخدام هذه الكودات والموتيفات التي تحمل حطام رموز وأساطير موغلة في القدم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة