تأملات في فلسفة الحياة والموت 1/2

العدد: 
15101
جمعة, 2017/10/13

كل مصير إنساني هو مأساوي بحكم المعاناة التي لا مرد لها شاءت البشرية أم أبت ، وهذا ما تؤكده الأحداث منذ آدم وحواء وهابيل وقابيل وحتى هذا اليوم من العام السابع عشر من القرن الواحد والعشرين .. وكما لا يمكن استجلاء مطاوي التاريخ بدقة كذلك لا يمكن الكشف عن المستقبل إلا بإضافة فريدة من نوعها قوامها ( كل من عليها فان ) كما جاء في الآية 26 من  سورة الرحمن .

فقد يستطيع الإنسان الخروج من أقطار السماوات والأرض والتطواف بين المجرات وقد يتمكن من رفع منسوب عمره الزمني قليلاً أو كثيراً باستخدام المعطى العلمي وتوظيفه توظيفاً راقياً وقد يحقق مستوى مقبولاً من السلام والعيش الكريم للبشرية جمعاء .. كل ذلك قد .. وليس بشكل جازم .. لكنه لن يستطيع مصادرة فكرة الموت .. هذا الحدث الجلل الذي يقتحمه اقتحاماً ويطيح بكل قواه الحيوية والعقلية والنفسية والروحية والذاتية محققاً له نفياً كلياً عن الحياة ولا سبيل إلى مجابهته مطلقاً كما اخترق الحياة بميلاده الذي تم خارج إرادته .. فهو لم يأت إلى الحياة مختاراً أي إنه غير قادر أصلاً على إلغاء وجوده مسبقاً ، كذلك غير قادر على الاستمساك بالحياة  إلاّ لزمن قد يطول أو يقصر بنسبة متقاربة ، وقد يعترض من هم مأخوذون بالاعتراض قائلين : بأنه قادر على إلغاء وجوده بالانتحار الطوعي ، لكنما هذا ظاهر الأمر فقط لأنه حين يقدم على الانتحار فإنما يتم ذلك بحكم ظروف وملابسات  لا يمكنه تجاوزها تولّد في أعماقه فكرة الانتحار بما يستحيل مجابهتها وهذا يعني استحالة العثور على أي مؤشر ولو في أدنى حالات الاحتمال يفيد بإمكانية المرء رفض عبور دهاليز الموت كما فرض عليه من قبل اختراق بوابة الحياة بلا استئذان ، ولهذا أخفقت كل المحاولات الرامية إلى تفسير وإدراك سر الحياة والموت على السواء.

وقد أذهل الانسان البدائي سر الموت فجنحت الأساطير إلى اعتباره حصاد توجه عدواني عليه سواء اتخذ شكلاً مادياً أو روحياً لأن المجتمعات البدائية كانوا يظنون أن الكائن البشري وجد ليكون خالداً في الحياة الدنيا ، وما الموت إلا حصاد خطأ مسبق .. ورغم تفسيرهم لظاهرة الموت على أنها نتيجة للقتل أو الغرق أو لدغة عقرب أو أفعى أو افتراس وحش أو لسبب آخر غير مرئي ، إلا أنهم كانوا يربطونه  بشكل عدواني حتى ولو كان السبب له علاقة بالشيخوخة .. وفي كل الأحوال كانوا يميلون إلى اعتباره عدوانياً  ومع التقدم الحضاري  ولدت فكرة كون الموت ليس فناء أبدياً ، ولهذا كان يعتبره أبناء سورية وبلاد الرافدين عبارة عن انفصال الروح عن الجسد . ومن هنا ولدت فكرة الاتصال بأرواح الموتى منذ التاريخ الجلي وحتى اليوم ، وهكذا تطورت الرؤية وفق خط تصاعدي وصولاً إلى أن الموت ليس فناءً مطلقاً وإنما هو فناء مؤقت عن الحياة  لخلود الروح أو النفس وهذا ما جاء عن طريق الأنبياء والمرسلين وعمقه التفكير المنطقي في كل جغرافيات الهلال الخصيب ثم حقق حضوره في معظم البقاع .

إن مفهوم الموت الأبدي مخيف جداً إلى درجة يوقع المرء بالدوار .. وهذا ما جعل كابوس الموت يثقل كاهل شريحة كبرى بدءاً من الحكماء فنادوا بلا جدوى الحياة كما في الهندوسية والبوذية في الوقت الذي ذهب فريق آخر من الفلاسفة العدميين بعيداً والذين لا يؤمنون بخلود الروح أو النفس بعد الموت واعتبروا أن الموت نهاية أبدية .. إلا أن أتباع الأنبياء من المفكرين والقديسين ممن تجانسوا مع الأديان السماوية تجاوزوا مفهوم الفناء الأبدي وقالوا يبعث الإنسان بعد رقدة الموت وقد أكد القرآن الكريم على البعث والنشور بمنطق حيوي في عدد كبير من الآيات البينات مبشراً بميلاد أبدي لا نهاية له .

وقد يتوالد تساؤل فلسفي قوامه : نحن حتى الآن لم نكتشف سر الحياة فكيف نميط اللثام عن سر الموت ؟ ولكن يبقى هذا مجرد تساؤل استنكاري غير قابل للعقلنة وقد يتخذ صيغة منطقية على ضوء معطيات الواقع لكنه مرفوض فلسفياً وعلمياً لأن الإنسان قد يخترق كثيراً من الأسرار مستقبلاً ما دام يسير وفق خط مستقيم ومرفوض بحكم المنطق العقلي والفعلي لأن النداء الأخلاقي يفرض نفسه : كيف يأخذ المستضعفون حقهم من الأشرار ، وكيف يتم القصاص من الطغاة الذين يجعلون وجودهم المتعالي هو الواقع وكأنهم الحقيقة المطلقة ؟ كما إنه مرفوض بحكم الوحي الإلهي الذي أخذ شكلاً واحداً على لسان كل الرسل والأنبياء لا بد من حساب المفسدين في الأرض على كل جهالاتهم وإعطاء الضعفاء والمتقين حقوقهم المنتزعة في الحياة الدنيا .

الإنسان معبد قدسي  للإرادة الإلهية .. ومن الغباء التعلق بأذيال الأمل والتمسك بالحياة الدنيا، وما أقامته الإرادة الإلهية يستحيل أن يذهب هباء .. كما أن الحق والخير والجمال لن يذهبوا هباء، وإنما سيسمو إلى الملكوت الأعلى لترافق حملته السعادة يوم يقوم الأشهاد ، كما يتلظى الأشرار  في الأرض في عذابات مؤقتة أو أبدية وفق ما كانوا يعملون في الحياة الدنيا، وهذا ما يولد في مخيلتي البيت الشعري لبشار بن برد:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

                       والأذن تعشق قبل العين أحيانا.

هذا ما يتلألأ في وجودي كله حينما أتلو آيات الذكر الحكيم في توصيف أصحاب الجنة جعلكم الله منهم وإياي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

                                  بسم الله الرحمن الرحيم

( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب * ادخلوها بسلام آمنين ذلك يوم الخلود * لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد *) آية 31-35 سورة ق .

طبتم جسداً ونفساً وعقلاً ومنح كل منا مقعد صدق في رحاب الفردوس الأعلى.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد