عبثية الثقافة في زمن الفوضى

العدد: 
15107
خميس, 2017/10/19

الكتابة وإن كانت عملاً منهجياً ومخططاً في المحتوى والإطار إلا أنها في كثير الأحيان فعل عبثي في العمق النابع منه، قد تكون العبثية في قيمة الأفكار والرؤى للكاتب أو بسبب الظروف والأحداث التي يعيشها الكاتب أو يكتب عنها.

فأي قيمة للأفكار وعمقها في زمن تسطيح الفكر وقولبته في إطار هلامي من ثقافة مستنسخة قلبها التقلب ومظهرها الانقلاب على المبادئ والقيم تحت مسمى الحضارة أو التطور.

أي قيمة للرؤى في زمن الضبابية وابتعاد الإنسان نحو المجهول كقطيع يسير على غير هدى نحو مصيره المحتوم المزين ببهارج خداعة، أي عبثية تلك التي تحيط بفعل الكتابة حين تجعل جمهوراً يصفق لألم كلمات كاتب ويضحك لسخرية كلمات استهزأ بها من ألمه الذي فجر ينابيع إبداعه واستمد منه أبجدية سالت كحمم على صفحاته بعد أن أحرقت ذاته.

أي عبثية وغصة ألم في حلق شاعر لا تجد كلمة تعبر عنها أو تخفف منها بينما يحظى ألمه بصدى يردد تصفيق الجمهور وتشجيعهم.

أي عبثية وبحة ناي تشدو فيطرب لها السامعون مهللين مطالبين العازف بالمزيد دون أن يكلفوا أنفسهم التفكر بألم مزدوج للعازف حين يودع أنفاسه المحملة بآهاته ويمنحها لناي يتلظى بها وهي تخرج من ثقوبه.

أي عبثية وآه مطرب تحرق فؤاده ليرقص على أنغامها الجمهور ولا أحد يلاحظ دموع المطرب المواكبة لآهاته.

أي عبثية ولوحة تستهلك أيام فنان وإحساسه ليمر بها مشاهد يبدي إعجابه بتناسق ألوان هي أحلام الفنان ونور بصيرته لجزء من هذا العالم.

الثقافة بأنواعها كتابة وعزفا وغناء وفن تشكيلي هي قد تكون في إطارها نبذة من فرح ولكنها غالباً تحمل في تفاصيلها شجون وجراح على الأقل رافقت مخاض ولادتها وهي آلام لا يستشعر بها إلا من لامس التفاصيل وعاش أدنى درجة من عتبات ألم مخاض تأليف كلمة أو لحن أو لوحة.

وفي زمن الفوضى والعبثية والفكر المهجن وثقافة التقليد يبقى البحث مستمراً من الكاتب عن قارئ واع والمطرب عن مستمع ذواق والفنان عن مشاهد مبصر والعازف لمستمع مرهف الإحساس.

في زمن العبثية والفوضى والضوضاء والضبابية على قلوبنا أن تتعلم من الآلام التي مرت عليها وتنطلق لتتعلم، فمن لم يتألم لن يتعلم وأعتقد أننا تألمنا كثيرا من تجربتنا في وطننا، فهل سنتعلم؟

حلب
الكاتب: 
حسن العجيلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة