تأملات في فلسفة الحياة والموت 2 / 2

العدد: 
15108
جمعة, 2017/10/20

كما نستهدف ميلاداً متجدداً في الحياة الدنيا لنصوغ أحلامنا ورؤانا فإننا نستهدف ميلاداً أبدياً بعد الرحيل إلى العالم الآخر لإحقاق الحق وإزهاق الباطل... وكذلك فإننا نستهدف إقصاء الطغاة لأنهم ينسجون وجودهم كما لو كانوا محور الحياة.

وأقرب الأمثلة إلينا اليوم في تشرين الأول عام /2017/م الغرب السياسي والصهيونية العالمية ومن قبل هناك الكثير أمثال: فرعون وأبو جهل وأودلف هتلر وموسوليني وعدد لا حصر له من طغاة التاريخ لأنهم يريدون منا التنازل عن حريتنا. وهذا يساوي التنازل عن حياتنا وإذا كان محكوم على الملاح ضعيف الرؤية الارتطام بالصخور كذلك محكوم على الغرب السياسي الارتطام بصخور نهايته التي غدت وشيكة الحدوث بحكم فلسفة التاريخ كما بحكم الإرادة الإلهية حسب حدسي واستشرافي الذي لا يتوالد إلا من خلال كتابي الله .. كتابه المخلوق مجسداً بالكون وكتاب المقروء ممثلاً بالقرآن الكريم.

ولهذا ثمة عبارة تسبح في ذهني صباح مساء فيتحرك بها لساني ويلهج بها فؤادي حينما استعد للرقاد ... إن حياتنا تمضي بنا إلى الموت كما الجداول والأنهار تمضي إلى البحار وكما المحيطات خزان كبير ينسج الطهر والنقاء كذلك العالم الآخر هو الخزان الأبدي لكل النفوس أو الأرواح الطاهرة فطوبى للطاهرين المطهرين الذين يروون ظمأهم عبر مسيرتهم في هذه الحياة التي تسير بنا إلى الأبدية وبالتوقيت نفسه يساق الضالون والأشرار إلى جهنم زمراً بينما تستضيف الجنان المتقين زمراً حسب أواخر سورة الزمر. راجع الآيات /71-75/.

ذلكم هو الموت كما أفهمه وهذا الفهم يمنح تجربتي الداخلية شعاعاً دافئاً مستمداً من الملأ الأعلى مؤكداً لي أن الموت متضمن في نسيج الحياة ذاتها باعتبارها دار امتحان ودرباً وحيداً إلى دار القرار بحكم كونها خيراً للأخيار وشراً للأشرار .فالموت جزء من الحياة والغائية الحتمية لها لأنه البوابة الوحيدة إلى النهاية الأولى والممر الوحيد إلى النمط الآخر من الحياة.

هذا الحوار الداخلي يداهمني بهدوء حيناً وبتواتر متجانس حيناً آخر وكلما وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام حدث الموت في الحياة الاجتماعية وحينما أقرأ عظماء الأمس البعيد ... ولكن من هم العظماء عبر مسيرة الزمان ؟!

يلوح لي أن العظماء الحقيقيين هم أولئك الذين تشعر في حضرتهم أنك عظيم سواء أكان حضوراً تاريخياً من خلال قراءتك لسيرتهم وأقوالهم أو ممن تعايشهم عن قرب كأن ترى شهيداً يسقط على مقربة منك برصاص من لا يعرفون إلى الحق سبيلاً أو ممن يطالهم الموت بكل أشكاله المعهودة ولهذا تتملكني قناعة بأننا حين نبكي من فقدناه فإنما نبكي أنفسنا ونندب حظنا العاثر لأننا برحيلهم نفقد ذلك الشعاع الذي كنا نستضيء به كالأمل الضائع في البيداء أو كمصباح كنا نستهدي به في الظلمات فإذا به ينطفئ فجأة وبلا سابق إنذار. وهذا ما يجعلنا نبكي من نحبهم ونندب من نتوخى فيهم الأمل والرجاء بالغد المبارك.

كنت أتساءل عن ندرة المؤلفات حول الموت في تراثنا العربي إلى أن اتضح لي بشكل أو بآخر أن ندرتها سببه الهروب اللا شعوري من مصيبة الموت بحكم كون الموت قدراً حتمياً على كل كائن حي ولكن من هذه المؤلفات كتاب (الموت في الشعر العربي الحديث) للدكتور حمد بكري عصلة إن لم تخني الذاكرة والذي عمد فيه إلى رصد تجربة الموت وبمعنى أكثر دقة رصد تجربة الحس الشعري في أهم ما قاله شعراء العربية إزاء الموت منذ عام /1917/ أي منذ أصيل الحرب العالمية الأولى مروراً بالحرب العالمية الثانية وحتى مأساة العام الحزين في الخامس من حزيران الأسود ... حزيران العار على العرب أجمعين بكل مفاصلهم الاجتماعية عام /1967/ وقد تطرق إلى معروف الرصافي في تأملاته الغيبية والطبيب علي الناصر وميخائيل نعيمة فيلسوف وحدة الوجود في العصر الحديث وسيد أدباء النقد وصاحب كتاب (الغربال) وغيرهم من شعراء تلك المرحلة.

وكما هو معروف لكل ذي بصر وبصيرة إن المكوك الفارغ ينسج الريح ... فأي مكوك ينسج التاريخ المعاصر لأمة العرب؟

إنها أمة تمخر عباب بحر لجي من تحته زلزال ومن فوقه إعصار ... فهل إلى الخروج من سبيل؟! ومع هذا كله تضج أرواحها بعبق الأمل بالحياة دون أن تستحم بشلالات النور الهابطة من الملأ الأعلى وضفائر النور في الأرض التي تزدحم بها الكتب والمخابر ودور العلم الكبرى. وهذا يعني بإمكانها الاستلقاء على شذى ورود التحضر وتتهادى في ضياءات التقدم باحثة عن ملاذ لها في أركان الأرض وفي السماء ... لأنها تمتلك كل القدرات التي تؤهلها لإيقاع سيمفوني يخرجها من ليل الموت الذي يحيق بها من كل جنباتها كما من تحت أقدامها وفوق هاماتها، وكم كنت أتمنى أن أجوب الكون ومجراته لإخراجها من ظلماتها في هذه الأزمنة التي لا تحقق إلا موتاً من بعده موت ... إنها تلف بأجنحتها كوابيس الموت بالفتن والشقاق والنفاق وصولاً إلى الدمار في كل أو معظم جغرافياتها منذ قرون متتابعة شأنها في ذلك كشأنها في عصر الجهالة الجهلاء التي تداركها الرحمن بالرسول الخاتم صلوات الله عليه وعلى إخوانه النبيين.

وهناك محاولة مشحونة بالإخفاق لتجاوز إشكالية الموت بنظرية الزمان الدائري التي قالت بها بعض الأديان الوثنية وأكد عليها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه صاحب نظرية الإنسان السوبرمان كما جاء في كتابه (هكذا تكلم زاردشت) حيث قدم نظرية الزمان الدائري التي تتعلق بنظريته في العود الأبدي التي أتمنى أن يساعدني الله لأقدم لكم نظرية العود الأبدي وليدة الزمان الذي يولد محققاً تطوراً متواصلاً حتى الكمال فيخلد إلى موت مرحلي مؤقت قد يصل إلى ملايين السنين ثم يعود إلى الحياة عبر تلاحم زماني ومكاني كما كان من قبل بكل أحداثه وتفاصيله وجزئياته .. أي يعود عودة طبق الأصل عما كان عليه مسبقاً.

بيد أن نظرية العود الأبدي هذه تستنبط ترديها باعتبارها رؤية تتطلع إلى تحقيق خلود وهمي للإنسان متجاوزة ملاحظة حتمية البعث والنشور ومسفهة لوائح القيم وكل القوانين الأخلاقية والدينية ومؤكدة على استمرارية الشرور والآثام من خلال الشيطان والطغاة.

وذلك كله جراء كونهم محكومين للعقل السياسي الذي يقوم على الاعتقاد وليس على البرهان وهذا ما أوصلهم إلى مقابر الموتى وهم أحياء بحكم انتمائهم الطائفي أو القبلي أو التحزب السياسي بعيداً عن العقلنة وفي منأى عن البرهان.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة