فضاءات هندسة المستقبل

العدد: 
15120
أربعاء, 2017/11/01

مع حبي الذي لا يكاد يعرف حداً لعبقرية شاعر العرب الأكبر .. وأظنه من كبار شعراء البشرية .. أبي الطيب المتنبي القائل (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن) فقد تجري الرياح وفق رغبة ربان السفينة إذا كان يوجهها تلقاء أهداف سامية كشأن سفينة نوح عليه السلام كما كان شأن معظم العمالقة العظام وعلى رأس الهرم منهم / الرسول الخاتم صلوات الله عليه / إلى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، ذلكم هو الباعث الجوهري لهذه الفضاءات والإضاءات التي ولّدتها أسباب مباشرة تمثلت بالتساؤلات والاستفسارات التي سطرتها في أول الباب حول (إسهام في هندسة الفتنة) التي نشرت منذ أسابيع إن لم تخني الذاكرة.

يتساءل المتسائلون في مشارق الأرض ومغاربها عن صورة المستقبل للبشرية جمعاء وعلى التخصيص في هذه البقاع المباركة التي حققت حضوراً إيجابياً في معظم الأحقاب لها ولأبناء الأرض أجمعين، وكل المتسائلين يقدمون إجابات بينية وخفية على معظم تساؤلاتهم المشروعة، لكنما تكمن الاستحالة في الأكثرية الساحقة لهذه الإجابات لسبب بسيط جداً، كون هذه الأكثرية لا تتطلع إلى الحقيقة .. والحقيقة لن تكون ما لم تحتضن الحيادية  .. لأن الحقيقة والحيادية أمران أحلاهما مر .. لأن الحقيقة والحيادية لا يستمسك بهما إلا المميزون حضارياً .. وهم قليلون.

وأنا كإنسان عادي جداً أحاول معكم استدراك ما نتطلع إليه إسهاماً في إدراك الطريق السوي والوحيد لرسم صورة المستقبل، وسبيلي إلى ذلك التوجه تلقاء الحقيقة بالحيادية الممكنة أولاً واستبصار المستقبل واستشفاف الغيب الخاص بالمطلق ثانياً، وهناك هوامش تتسع وتضيق وفقاً لهذا وذاك، ولكن كلما كان الإنسان متطلعاً إلى تحقيق الحب الكبير .. حب الله والإنسان والعالم .. اتسعت الهوامش أمامه وصولاً إلى المطلوب .. واستبصاراً لآفاق المستقبل.

أما الفيلسوف الحضاري الأمريكي مايكل هارت الذي اعتمد محمداً صلى الله عليه وسلم رأس الهرم في كتابه (المئة الأوائل) فهو ممن قدموا رؤى سامقة في هندسة المستقبل رغم أنه لم يكن إسلامياً ولا عروبياً ولا شرقياً وهذا ما يمنحه بطاقة شرف للإسهام في هندسة المستقبل. وأنا بما أنا عليه من ضعف كبير في الشؤون الحضارية سأقدم على استحياء رؤيتي المتواضعة في صورة المستقبل محاولاً ما استطعت الاستمساك بالحقيقة والحيادية سواء بسواء، وهذا ما سعى إليه المفكر الحضاري مايكل هارت في اختيار الشخصية الأكثر إيجابية في التوهج الحضاري على طول امتداد التاريخ. وبحدود رؤيتي لو عمد باحث غربي آخر إلى اختيار الشخصية الأكثر أثراً إيجابياً في التاريخ أمثال: غوتة وتولستوي وتوماس كارليل وبرناردشو لاختار محمداً صلى الله عليه وسلم .. وقد أشار إلى ذلك كارليل بشكل أو بآخر في كتابه (الأبطال) كما أشار برناردشو إلى توجه بريطانيا إلى الإسلام مع نهايات القرن العشرين، وهو إن أخفق في التوقيت فلا أظنه أخطأ في قراءته لمستقبل بريطانيا والقارة العجوز أوروبا، كما أنه لو قدر لعربي يدين بالمسيحية اعتماد رأس الهرم في المئة الأوائل الأكثر تأثيراً في البشرية لاختار محمداً صلى الله عليه وسلم وأرشح من إخواننا المسيحيين الكثير كفارس الشدياق وأنطون سعادة وفارس الخوري والدكتور قسطنطين وغيرهم .. وأنا هنا لا أقلل من شأن مايكل هارت وإنما أؤكد على جرأته وحسن حظه في هذا الشأن الخطير على مستوى الغد المشرق.

فاسمحوا لي بتقديم رؤيتي الحيادية تلقاء الحقيقة .. بأن محمداً صلوات الله عليه وعلى إخوانه النبيين كان ولا يزال وسيبقى منارة تبدد الظلمات لمن شاء الخروج من دهاليز الفتن بكل ما تحمل من شرور وآثام على طول امتداد الزمان وذلك انطلاقاً من استبصاري لفلسفة الحضارات وإلهامي لما أتطلع إليه لإنقاذ البشرية واستشرافاً لحركة التاريخ .. أقول: إن الزمان قد استدار كما بدأ منذ إطلالة القرن السادس الميلادي يوم كان الشرق والغرب يطحنان بعضهما كما كان العرب يذبحون بعضهم كيومنا هذا بعيداً عن كل لوائح القيم .. حتى كان البعث العظيم بظهور محمد صلى الله عليه وسلم وبدء نزول الوحي الإلهي المتمثل بالذكر الحكيم الذي يحمل كل القيم الدينية والأخلاقية نصاً وتفصيلاً على أرض الواقع.

فهل تظنون كما أظن أننا تلقاء الضياء سائرون؟!

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة