النفاق .. تلك الظاهرة القديمة الحديثة !

العدد: 
15121
خميس, 2017/11/02

يميل أغلب المفكرين والمثقفين وحتى المؤرخين العرب إلى تعظيم شأن الطبقة الحاكمة سواء كان ذلك من الناحية الدينية أو الاجتماعية.

فهل جاء هذا النفاق عبر التاريخ عبر مورثات جينية أو عادات وتقاليد وأعراف وراءها منافع مادية؟!

كان الشاعر يحصل على آلاف الدنانير الذهبية وبشكل فوري نتيجة القصائد التي يلقيها في حضرة الأمير أو الوزير أو الخليفة أو صاحب الشرطة أو قائد الجيش سواء كانت المناسبة عامة لانتصار الجيش أو خاصة لزواجه أو زواج أحد أولاده.

وكان يعدد فيها مناقبه وصفاته الحميدة وحسبه ونسبه سواء كان ذلك صحيحاً أم لا وسواء كان ذلك مبالغاً فيه أم لا، وإن هذه الصفات قد تكون موجودة فيه ولكن ليس كما ذكرها الشاعر المداح.

وهؤلاء الشعراء والمداحون والمنشدون يسمون عبر التاريخ شعراء السلطان ويقفون على أعتاب قصره ينتظرون بفارغ الصبر عطاياه أو الرضا عنهم.

ومما لا شك فيه، أن كل شخص حينما يتكلم عن نفسه تتضخم الأنا لديه ويسعى لإبراز صورته في أبهى مظهر، وهذا ثابت في علم النفس والمنطق.

ولكن هذا الموقف مبرر من قبل بعض المثقفين الذين هم من أصول أرستقراطية من خلال موقفهم حيال قيام الثورات الوطنية ضد الاحتلال أو الثورات الاجتماعية نتيجة الصراع الحتمي بين طبقات المجتمع المتناحرة وهي الغنية والفقيرة كما يرى البعض من أصحاب هذه النظريات.

وهناك حقيقة ثابتة لا جدال فيها وهي أن كل مسؤول تنتهي مهمته في منصبه يصبح في الظل ويبتعد عنه أحباؤه وينقص عدد مناصريه ومؤيديه وهذا يدل على أن بقاءه في منصبه قد لا يكون بسبب كفاءته وجدارته وخبرته وموقعه الاجتماعي بل لأسباب أخرى لا مجال لذكرها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في بعض الدول أن رئيس البلدية أو النائب أو الوزير بعد انتهاء مهمته أو إحالته على التقاعد يقوم بعد أشهر بالعمل في مجال شركات مالية أو مؤسسات اجتماعية وخيرية أو في مجال الدراسات والاستشارات والاستبيانات والخبرات المتراكمة حتى وفاته.

ونخلص إلى نتيجة مفادها: إننا بحاجة إلى موضوعية أكثر حين نتناول بالبحث والدراسة والتاريخ الأمور العامة والخاصة. وخاصة على شبكات التواصل الاجتماعي حيث يعظم أمر البعض وينفخ في صورته حتى نظن أن أياماً قليلة ستمر وسينفجر من كثرة التضخيم والتعظيم والنفخ.

ومن ناحية أخرى، يدعو البعض إلى إعادة كتابة وتحليل التاريخ العربي بأسره بشكل محايد وموضوعي إذ يرون فيه الكثير من التزوير والتحريف والمبالغات وهناك الكثير من الفنانين والعشراء رفضوا نظم قصائد مدح للزعماء ولكنهم رحبوا بالكتابة لتمجيد نصر أو دولة أو مدينة مثل: فيروز ونزار قباني.

وتقول القصة: إن الأمير الشهابي كان جالساً من فرط زهقه وملله فقال لخادمه الذي يلازمه: تميل نفسي إلى أكلة الباذنجان.

فقال الخادم: الباذنجان؟! بارك الله في الباذنجان هو سيد المأكولات بلا منازع يا مولاي لحم بلا شحم وسمك بلا حسك يؤكل مقلياً ويؤكل مشوياً ويؤكل نيئاً مقشراً ومن غير تقشير يا سمو الأمير ما أجمل خيارك وما أذكى نفسك الميالة إلى فاكهة الجنة، يا له من خيار الملوك العظام. فقال الأمير: ولكنني أكلت منه قبل أيام فنالني الكرب (أي آلمني) فقال الخادم: لعنة الله على الباذنجان فإنه ثقيل غليظ نفاخ ... لونه يبشر بالشؤم ولا طعم له ولا مذاق وكأنك تمضغ الماء أما بذوره فهي كثيرة ومنفرة تنغص على الآكل أكله لا يطلبه إلا كل بائس مضطر وسيئ الاختيار. فقال الأمير:

ويحك تمدح الشيء وتذمه في وقت واحد. فقال الخادم: وهو يفرك يديه ويسبل عينيه: أنا خادم الأمير يا مولاي لا خادم الباذنجان. فقال الأمير: إذا قال الأمير نعم قلت نعم، وإذا قال الأمير لا قلت لا.

ونحن نقول: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فعلى سبيل المثال: من لا يحكم قلبه وعقله ثم ينطق بلسانه فإن كلماته تذهب أدراج الرياح وتدخل إلى الأذن اليمنى وتخرج من اليسرى دون فائدة من كلامه، فما يأتي من القلب يدخل إلى القلب ويستقر به.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة