اندياح الثقافات .. المتصوفة يخترقون حجب الإبداع

العدد: 
15125
اثنين, 2017/11/06

استطاع المتصوفة أن يقيموا في كتاباتهم نظاماً سيميائياً وأساساً للغة جديدة غير مألوفة في فن الخطاب العربي مخترقين بذلك حجب الإبداع. وإن علم الإشارة كما يقول الكلاباذي: " هو العلم الذي تفردت به الصوفية، واستعملوا لها ألفاظاً ورموزاً تعارفوا عليها بينهم لا يدركها إلا أصحابها وذوو العلم بها". قال بعض المتكلمين لأبي العباس بن عطاء: "ما لكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظاً أغربتم بها على السامعين، وخرجتم على اللسان المعتاد، هل هذا إلا طلب للتمويه أو ستر لعوّار المذهب؟" فقال أبو العباس: "ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه، ولعزته علينا، كي لا يشربها غير طائفتنا".

وسيميائيات المتصوفة انطلقت من حاجتهم إلى التعبير عن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار التي لا يمكن للعبارة التقليدية استيعابها.

إن الباحثين عن ألق الإبداع قد وجدوا فيما كتبه شعراء المتصوفة، وما أحدثوه من لغة جديدة في نظمها الإشارية في الألفاظ والصور والدلالات المنبثقة عن الأحوال والمقامات وإيقاعات النفس العاشقة إنما كان ولا يزال نقلة في الحداثة بعيدة المرتقى.

سيرة الصوفية وحياتهم وأعمالهم الأدبية تكتسب ألقاً جديداً حين تتحول إلى مادة درامية أو روائية، ففي البحث عما هو باهر وأخّاذ وحديث وجد بيتر بروك في قصص منطق الطير لفريد الدين العطار مادة مسرحية غنية بالفكر والسحر والدراما يقدمها أمام جمهور لا يجتذبه غير الجديد والمدهش. وفي رواية سيدهارتا التي كتبها هيرمان هيسة وجد الكاتب في حياة البوذا سيدهارتا غوتاما شاكياموني وفي الأجواء البوذية مادة روائية سحرية يعيد إنتاجها بفكر الأوروبي الذي أثقلت روحه قيود المادة، وأعمت عيونه عن التأمل في الإنجازات التكنولوجية المتسارعة، وقد عرف كيف يواجه الشخصية الأسطورية-التاريخية التقليدية بمفاهيمه هو كأوروبي مستكشفاً عالم الروح من خلال الحب المحسوس ومغريات المال وفقدان الابن، ثم الزهد والفناء في روح الكون بالعودة إلى الطبيعة وإدراك أسرارها.

إذن لا بد في النهاية لدوائر الثقافات المنداحة من أن تتلاقى فتتصادم وتتداخل بما يغني التجربة الإبداعية، ولا بد للتمركز حول الذات من أن تتداعى أمام حركة تواصل تاريخية حتمية بين حضارات الشعوب، فيها من حوار الثقافات والتبادل المعلوماتي والتأثر والتأثير المعرفي بقدر ما فيها من إرادة الاستقلال والخصوصية والتبلور في الشخصية الثقافية.

بين سيدهارتا والشيخ صنعان في منطق الطير 

هل كان هيرمان هيسه يعلم أن روايته "سيدهارتا" السابحة في أجواء بوذية سحرية هي من الناحية الفنية إعادة إنتاج لقصة الشيخ صنعان في منطق الطير في كثير من أحداثها وشخصياتها؟

سيدهارتا ابن البرهمي المتعطش إلى المعرفة والذي لا يكف عن الصلوات وتقديم القرابين وقراءة الكتب والأشعار المقدسة لم يكن سعيداً فهو يحس ببذور عدم الرضا والشك، من هنا كانت بداية رحلته الطويلة.

فصار زاهداً سامانياً، ثم التقى بالبوذا غوتاما، وهناك  تخلى عنه مريده وصديقه غوافندا الذي صار من أتباع بوذا ، أما سيدهارتا فقد تابع رحلته فصار دنيوياً استغرقته لذة الجسد في حبه للغانية كامالا ، وعمل في التجارة مع كاماسوامي حتى أصبح قاسي القلب، ثم أدركته اليقظة فأدرك أن الحياة متاع الغرور، وأنها مجرد لعبة أولاد اسمها سامسارا لا تستحق أن تلعب بشكل دائم، فعاد إلى النهر ليعمل مع فازوديفا مراكبياً، وهناك تعلم كيف يصغي بقلب ساكن إلى النهر ذي الأصوات العديدة، ويتلقى منه السر أن ليس هناك شيء اسمه الزمن.

نلاحظ أن العودة إلى الطبيعة – الغابة والنهر- عند هيسة ليست رومانسية وإنما هي عودة تأملية فلسفية صوفية، إنها عودة لسماع صوت أوم –الكمال- في كل الوجود وآلاف الأصوات. وعلى ضفة النهر التقى سيدهارتا الباحث عن سر الحقيقة بحبيبته الغالية كامالا القادمة مع ابنها الصغير، وهو ابن سيدهارتا، لتلحق ببوذا بعد أن تخلت عن الدنيا وأعطت قصرها للرهبان السامانيين. ويشاء القدر أن تلفظ كامالا أنفاسها بين يدي حبيبها سيدهارتا لتترك له ابنه الذي أصبح فيما بعد مصدر شقائه، ثم ما لبث أن فقده حين هرب منه عائداً إلى المدينة. وعندما التقى غوافندا بصديقه القديم سيدهارتا أدرك أن سيدهارتا صار بوذا فتوحد في الكون أو توحد الكون فيه وأدرك سر الوجود.

ونلاحظ التشابه بين هذه الرواية وبين حكاية الشيخ صنعان في منظومة منطق الطير للعطار.

الشيخ صنعان اعتكف في الحرم خمسين عاماً وكان معه مريدوه، واجتمع لديه العلم والفضل، وكان عالي المنزلة والمقامات والكرامات، وقدوة في القبض والبسط، لكن قلقه الدفين وتعطشه إلى المعرفة الكلية من خلال التجربة الذاتية نسجا له حلماً غريباً، ذلك أنه رأى نفسه وقد رحل عن الحرم واستقر ببلاد الروم يسجد للأصنام، وقد قال المتبحر في العلم لمريديه: " الآن وجب علينا العمل والإسراع إلى بلاد الروم لندرك تفسير هذا المقام". الرحلة إذاً هي رحلة روحية، والكلام في المنام هو من باب المجاز.

غادر الشيخ ومريدوه الكعبة حتى وصلوا إلى قصر في بلاد الروم تجلس على سطحه فتاة جميلة جاء في وصفها: " كانت الفتاة المسيحية ذات روح ملائكية، بل كانت نفحة من روح الله، أشرقت كالشمس في فلك الحُسن، واستقرت في برج الجمال المنزَّه عن النقصان".

وهكذا دخل صنعان مقام العشق فقضى نهاره شاخصاً بصره إليها، وكان صداقها غالياً.

ونكتفي بهذا القدر لنتناول في زاوية تالية تلك المقاربة والتشابه بين قصتي فريد الدين العطار وهيرمن هيسه.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة