آفاق هندسة المستقبل

العدد: 
15125
اثنين, 2017/11/06

لم يكن رسول الله محمد (ص) سوى فرد من أبناء عصره في كل الجغرافيات إضافة إلى ذلك فهو يتيم الأبوين توفي والده عبد الله قبل ولادته ورحلت أمه آمنة بنت وهب وهو طفل فكفله جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب، كان فتى من جملة الفتيان في ذلك الزمان وازدادت معاناته عن غيره لأن بارئ الأكوان ألبسه الفقر واليتم وعندما شب هيأ له زوجة في منتهى الوعي والصلاح .. إنها خديجة بنت خويلد وخصته الإرادة الإلهية بصفات فريدة من نوعها .. خصته بالوعي الشمولي والفطرة السليمة والأمانة المطلقة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم .. ولهذا عرف بالصادق الأمين ووصفه رب العزة (وإنك لعلى خلق عظيم) آية 4 من سورة القلم .. فكان يتملكه تطلع هادئ ووثاب معاً إلى الحقيقة، لهذا كان يقضي الليالي في غار حراء إلى أن اختاره رب الأرباب بشيراً ونذيراً للناس أجمعين كما أكد القرآن الكريم في أكثر من آية.

ولم يعد بإمكانه قضاء الليالي في غار حراء، فتنزلات الوحي عليه وضعت على كاهله مهمات جسيمة بعد أن ألقى عليه رب العزة قولاً ثقيلاً (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم *) آية 1 – 5 سورة العلق التي كانت أول سورة في كتاب الله المقروء .. كانت المنطلق للدعوة كما كانت التفجير الحضاري المتضمن من الكلمة الأولى في بداية الوحي (اقرأ) والتي أفهم منها .. أيها الإنسان اقرأ ما استطعت لتتعلم ما استطعت لتأدية الأمانة التي حملتها طوعاً كما في قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا) آية 72 سورة الأحزاب.

إذن بناء الإنسان والمجتمع يبدأ بالمعارف والعلوم كما يفيد النص القرآني، والعلم يقتضي العمل على أرض الواقع، إذاً مهمتك أيها الرسول الخاتم بناء الإنسان والمجتمعات البشرية توجهاً تلقاء الحضارة، من قوله أمراً وتوجيهاً للناس (اقرأ) بدأت هندسة المستقبل .. أي بناء الحضارة التي ليس لها إلا فضاء أحادياً يتمثل بالعلم الذي لا يحقق حضوره إلا في فضاء العمل.

والعلم والعمل لا يحققان دورهما الحضاري إلا بتفعيل لوائح القيم السامية .. الحب والتسامح والصدق والعدل وكل ما يحقق السلوك السوي للفرد والمجتمع .. وهذا لا يتم إلا بالتسلح بالصبر.

ولئلا يأخذ الهوى بضعاف النفوس كل مأخذ أكد رب العزة أن هذا القرآن ليس له علاقة بالبشر من حيث الحضور والوجود .. وتقتصر علاقة البشر على الفهم والتفعيل سواء بسواء (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) آية 1 – 4 سورة النجم، وهذا النص توصيف للقرآن حصراً لإعلام الناس أن هذا القرآن هو كتاب الله وضياء منه وعليكم قراءته بفهم وإدراك وتفعيل كما أكد في الآية 29 من سورة (ص): ( كتاب أنزلناه إليك مباركاً ليدَّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) وأفهم من ذلك أن كتاب الله المقروء لم يتنزل للتلاوة غير الواعية وتعداد مرات ختم القرآن كما يفعل الكثير من المسلمين اليوم وإنما أنزل للفهم والتدَّبر والتفعيل على أرض الواقع في كتابه المخلوق (الكون) الذي أوجده لإدراك قوانينه وتفعيلها كما تفيد الآيات 190 – 194 من سورة آل عمران. وبالمناسبة أذكر أنني أمضيت أكثر من ثلاثين عاماً متفكراً في الآية 106 من سورة يوسف: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وما إن فهمتها حتى فعلتها في دراسة بعنوان (الفتنة والطائفية وأبجدية القرآن) والتي تؤكد أن الإسلام واحد يتعالى على الطائفية والتفرقة وأن كل من آمن بالله والقرآن ومحمد رسول الله حرم دمه وماله وعرضه. وليس من حق أي كائن الحكم عليه بعدم الإيمان لأن الله لم يمنح الرسول الكريم هذا الحق، كما ليس من حق أحد تسييس الدين بقدر ما عليه تفعيل جوهره.

بهذا المنطق المعقلن هندس الرسول الخاتم المستقبل محققاً إنجازات لم يحققها بشر على طول امتداد الأزمنة ..  فهو لم يحمل سلاحاً مع أن كفار قريش عذبوا المؤمنين، ولم يحمل السلاح إلا بعد أن حملوا عليه السلاح، كما أنه لم يكن رومانسياً حالماً كما يخيل لفريق من الناس، إنما سدد أبجديات التوحيد المطلقة لذي العزة والجلال وأعاد الثقة إلى النفوس بتحويل وجهتها من اليأس وزجها في نظام فاعل وإنجاز مبرمج تجاوزاً لليأس والقنوط وطرقاً لأبواب الحضارة .. وبتوحيد الهدف تجاه المستقبل كان في كل خطوة يخطوها تضييق لمساحات الخلاف والاختلاف وتقليص للانقسامات القبلية وسرطنة الأنا توجهاً إلى ساحات الفضيلة ووقوفاً أمام مسؤوليات كاملة في الحياة الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) آية 36 الإسراء.

كان الرسول الخاتم يجاهد لتشرق شمس الحق في كل مكان من العالم وليبزغ نور فجر جديد يستضيء به الناس وهذا ما يتمثل في تعامله مع الآخر ممثلاً بأول وثيقة في الحكم المدني والتعايش السلمي التي سطرها أول قدومه إلى المدينة بين المسلمين والمشركين واليهود بحيث تكفل حقوق الجميع بلا تمييز لأنهم جميعاً عباد الله الواحد. وحينما جاءه وفد نصارى نجران للتعرف على دعوته والوصول إلى الصيغ الأكثر دفئاً فحينما حان وقت صلاتهم لم يقل اذهبوا إلى الصلاة في مكان آخر وإنما سمح لهم بتأدية صلواتهم في مسجده.

ولم يغير منهجه في دعوته فاستمر على خط مستقيم بقوله: (بكلمة واحدة تمتلكون العرب وتدين لكم العجم .. لا إله إلا الله محمد رسول الله) وتم لهم ذلك بما يعرفه الشرق والغرب.

ورحل إلى الرفيق الأعلى تاركاً للأمة والبشرية جمعاء كتاب الله المقروء ممثلاً بالقرآن الكريم الذي أمرهم بالتفاعل مع كتاب الله المخلوق ممثلاً بالكون وامتلكوا بعضاً من المعارف والعلوم التي حقق عليها الغرب نهضته كما يعرف العالم والجاهل اليوم. وبإمكاننا امتلاك هذه المفاتيح إذا امتلكنا مفاتيح الذكر الحكيم بدءاً من اجتثاث الطائفية والعنصرية والقبلية والتخلص من غريزة التهاوي على مقاليد السلطة واحتضان اللوائح السامية بدءاً من الحب والعدل والتسامح والانكباب على كتابه المخلوق علماً وقوننة والانكباب على العلوم الإنسانية .. .. وهذا لا يتم إلا بتجاوز سقطات العقل الاجتماعي والسياسي لقيامها على القناعات والاعتقادات الهابطة والانطلاق من العقل البرهاني القائم على المنطق والفكر العلمي واختراق حجب المستقبل بالعلم اليقيني الذي يهندس صورة المستقبل بما يحقق لنا الانتصار على الموت في الحياة وبعد الرحيل إلى العالم الآخر لنغدو ممن وصفهم رب العزة في كتابه الكريم: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) آية 82 الأنعام. ولمن يشاء مراجعة (الفتنة والطائفية وأبجدية القرآن) على صفحتي. وبعد تجهيزهم لهندسة المستقبل باحتضانهم الإيمان والتماسك الاجتماعي، تأتي الخطوة الثانية لهندسة المستقبل  المتمثلة في قوله تعالى في الآية  191 سورة آل عمران: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)، وتفعيل هذا النص القرآني يؤدي إلى تفعيل الإيمان المطلق والتمسك بلوائح القيم الدينية والأخلاقية واختراقاً للعلوم الكونية من خلال تفعيل تفكرهم في خلق السموات والأرض والوصول إلى الاستمساك بالقوانين الناظمة لها من فيزياء الصغائر إلى فيزياء الفضاء. وأظن أننا متوجهون تلقاء المستقبل وماضون في دروبه اعتباراً من الربع الثاني للقرن الواحد والعشرين وأرجو من الله ألا يخيب ظني هذا الذي كاد يغدو اعتقاداً .. هندسة المستقبل تبدأ بالعلم والعمل والصبر وممارسة لوائح القيم السامية مع الناس أجمعين.

وختاماً أرجو منكم عدم الإسراع بإلقاء أحكام غير معقلنة إلا بعد التفكر طويلاً.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة