التسامح بناء الحياة

العدد: 
15131
أحد, 2017/11/12

دليلي على وطنٍ جميلِ الملامحِ...

أناسٌ تحلّو بالرِضا والتَّسامُحِ

تنادوا إلى صفحٍ ليبنوا ويرتقوا...

لعمريَ هذا من عظيمِ المدائحِ

ففي العفوِ عن زللِ الأنامِ مكارِمٌ...

وفي غيرِهِ فعلٌ أتى بالفوادِحِ

فهيا لنكتبَ بالتسامحِ موقِفاً

يضيءُ لأجيالٍ عظيمَ النّصائحِ

لا ريب في أن البشر جميعاً يعيشون في مجتمعاتٍ إنسانية، وتربطهم مع بعضهم علاقات مختلفة يتوجّب عليهم من خلالها أن يتحلّوا بالأخلاق التي تسير بهم في الطريق الصحيح في تعاملهم مع الآخر.

ويُعتَبر التسامح من أهم الأخلاق التي ينبغي على المجتمعات الإنسانية أن تتحلّى بها، وأن تحافظ عليها، وكثيراً ما ترددت كلمة (التسامح) على ألسنة الناس، غير أن الفائدة تكون في معرفة مفهومها، والاطلاع على مدلولاتها.

فالتَّسامح في أصول لغتنا العربية مُشتق من الفعل سَمَحَ به أي جاد به وكَرُمَ به، وسَمَحَ له أي أعطاه ومنحه.

أمّا التَّسامح في الاصطلاح فهو: القدرة على العفو عن الناس، وعدم ردّ الإساءة بالإساءة، والتحلي بالأخلاق الحميدة، ويكون التسامح عن قوة ومقدرة وإرادة.

فهو مبدأ إنساني يدفع المرء إلى نسيان الأحداث الماضية التي سببت له الألم والأذى بكامل إرادته، مع عدم التفكير بالانتقام، فهو يرسّخ معاني الإحسان.

إن التسامح من السجايا العظيمة التي اتّصف بها عظماءُ الإنسانية عبر التاريخ، وعلى رأس هؤلاء العظماء سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي لطالما نرى في سيرته تجسّد معنى التسامح في أعظم حالاته وأبهى صوره ومن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم سامح كفَّار قريش على كل ما فعلوه به وبأصحابه من صنوف العذاب، فقال: (اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)، فبذلك يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبق جميع المؤتمرات والمواثيق الإنسانية والدولية التي صدرت عن سائر المؤسسات حول معنى التسامح.

ولا شكَّ في ذلك لأنَّ دين الإسلام اعتبر خُلُقَ التسامح شرطاً أساسيّاً لتحقيق السلام والوئام في المجتمعات الإنسانية، لذا نجد أن ربّنا تبارك وتعالى خاطب العقل الإنساني ليُربي ويُزكي النفس البشرية ويأمر بالتسامح والاحترام للآخر، حيث قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الممتحنة: 8]. بل أكثر من ذلك كان الأمر بالتسامح بمعناه الأعمق حين الاختلاف الكبير حيث قال تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [سورة الزخرف:89].

وإذ نتحدث عن التسامح في هذا الوقت نشيرُ إلى أن الأمم المتحدة قد جعلت للتسامح يوماً دولياً تحتفل به حيث دعت الدول الأعضاء إلى الاحتفال باليوم الدولي للتسامح في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر. ووضعت له مجموعة مبادئ لا يختلف عليها أحد وهي:

1. معنى التَّسامح هو الاحترام وقبول الآخر بكلِّ ما يرتبط به من ثقافةٍ وحضارةٍ وسُلوكٍ ودِينٍ وعِرق وغيرها من الاختلافات بين النَّاس في عالمنا، واعتبار التَّسامح ضرورةً مهمّةً في الحياة سياسيًّا وقانونيًّا وليس مجرّد فِعلٍ أخلاقيٍّ حميدٍ، وصفةٍ فُضلى تنشر السَّلام في العالم، وتساعد على إحلال ثقافة السَّلام والتَّعايش محلّ ثقافة الحرب ورفض الآخر.

2. التَّسامح لا يعني التَّنازل من طرفٍ لآخر، كما لا يعني المجاملة أو المحاباة بل هو موقفٌ يعتمد على الاعتراف الكامل والمُطلق بالحقّ الشَّخصيّ للإنسان والحريات الرئيسيّة للطَّرف الآخر.

3. التَّسامح هو الحلّ الأمثل والمفتاح السِّحريّ للوصول إلى مطالب رئيسيةٍ كحقوق الإنسان، والدِّيموقراطيّة، والتَّعدديّة، والتَّشاركيّة، وتقبل الآخر.

4. العمل على تطبيق مفهوم التَّسامح لا يكون بالأقوال بل بالاعتراف بحقّ كل إنسانٍ على وجه الأرض باختيار ما يُريد من حيث المعتقدات والمذهب والفِكر والنَّهج الذي يسير عليه، كذلك للطَّرف الآخر الحقّ نفسه دون تفريقٍ أو تمييزٍ ودون أنْ يكون لأحدٍ السُّلطة في فرض الرَّأي على الآخر.

إن الالتزام بالتسامح ومبادئه الإنسانية هو في هذه الأوقات أكثر أهمية من أي وقت مضى خصوصاً في هذه الحقبة التي تشهد زيادة في التطرف العنيف واتساعاً في الصراعات التي تتميز بتجاهل أساسي للحياة البشرية.

وما أحوجنا في وطننا العظيم سورية إلى أن ننادي بهذا الخُلق الكريم؛ التسامح والصفح، لنُعيد بناء وطننا، وليصبح كبيراً مُعافى كما كان.

علينا ألا نمحو ولا ننسف الأخوّة في وطننا من أجل الأخطاء لأن أخوتنا في هذا الوطن أسمى وأرقى من جميع الأخطاء، لنتسامح مع بعضنا ولنمح الأخطاء لنحافظ على أخوتنا الإنسانية في هذا الوطن المبارك سورية.

إننا لا نملكُ تغيير إساءات الماضي ولكننا يقيناً نملكُ تغيير المستقبل من خلال الصفح عن تلك الإساءات.

وأختم ببعض ما بدأتُ نظماً:

فهيا لنكتبَ بالتسامحِ موقِفاً...

يضيءُ لأجيالٍ عظيمَ النّصائحِ

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة