اندياح الثقافات .. مقاربات ثقافية بين هيرمن هيسة والعطار

العدد: 
15131
أحد, 2017/11/12

نعود إلى التساؤل: هل كان هيرمان هيسه يعلم أن روايته "سيدهارتا" السابحة في أجواء بوذية سحرية هي من الناحية الفنية إعادة إنتاج لقصة الشيخ صنعان في منطق الطير في كثير من أحداثها وشخصياتها؟

الشيخ صنعان في بحثه عن محبوبه الإلهي التقى الأميرة الرومية التي عشقها في المنام وكان صداقها غالياً فقد طلبت منه أن يتخلى عن الإيمان، ويطرح الخرقة والسبحة، ويعقد الزنار، ويرعى الخنازير عاماً كاملاً، وطلبت أشياء أخرى أشد من ذلك، وقد فعل، فإن العشق كما يرى صنعان مرتبة أعلى من الكفر والإيمان كما يقول العطار. ولأنه فعل ذلك تخلى عنه مريدوه بعد أن يئسوا منه وعادوا إلى مكة، وهناك تلقوا التوبيخ على فعلتهم هذه، فعادوا إليه من جديد متضرعين إلى الله لإنقاذ شيخهم. وبعد أن اجتاز الشيخ تجربة العشق عاد إلى الحرم مع مريديه يحمل في قلبه إيماناً أعمق ومعرفة أكبر. أما الفتاة الرومية فقد تملك قلبها عشق الشيخ فتخلت عن قصرها ودنياها وقصدت بلاد الشيخ صنعان لتعلن إسلامها وتلفظ أنفاسها بين يديه بعد أن صارت من أهل العيان. لقد انتهيا معاً، الشيخ والفتاة، بالعشق الكوني إلى الفناء والتماهي الكامل في وحدة الوجود. 

مقاربات ومقارنات بين القصتين 

تتلاقى بشكل أخّاذ عناصر القصتين في التجربة الروحية والأحداث والشخصيات ومواقف التأمل والمناجاة وحالات العشق الكوني. وتفترق السيدهارتا بأنها بنية روائية ساحرة ومتكاملة، بينما قصة الشيخ صنعان هي بنية حكائية حارة ومدهشة.

 ولتوضيح التوازي في البنيتين نضع جدولاً مقارناً تقريبياً للخطوط الرئيسية في القصتين.

رواية سيدهارتا

البداية

* إيمان برهمي تقليدي: قرابين وصلوات.

* له مريد (غوافندانا) يرافقه في رحلته وهو مؤمن به وبأنه سيصير بوذا.

* بذور عدم الرضا والقلق في نفسه للارتقاء عبر تجربته الذاتية الحسية والروحية.

الطريق

* يصير سامانا ثم يرحل إلى غوتاما (بوذا) ثم يتابع بحثه فيتخلى عن غوافندا فيصير راهباً بوذياً. ثم يرى في حلم أنه يدعوه إلى مزج التجربة الروحية بالتجربة الحسية فيلتقي كامالا الغانية.

* يتخلى عن لباس السامانا، ويغرق في حب كامالا، ويمارس التجارة من أجلها.

* يلتقي بمريده السابق غوافندا ويتحاور معه.

* قلقه الروحي وإحساسه بعبث المتعة الجسدية يدفعانه إلى التخلي عن كامالا فيتابع البحث ويصير مراكبياً ويصبح النهر هو الرسول والمعلم الأخير له.

العودة إلى النهر

* كامالا تتخلى عن الدنيا وتلحق به لتموت بين يديه مؤمنة.

الوصول

* يرقى سيدهارتا بالتجربة الذاتية –الروحية إلى المعرفة الكلية وإدراك سر الوجود ويصل إلى النيرفانا ويصير بوذا.

قصة الشيخ صنعان

البداية

* إيمان إسلامي تقليدي: عبادة وعمل واعتكاف.

* له مريدون يرافقونه في رحلته ويؤمنون بكراماته وارتقائه في المقامات والأحوال.

* قلق الصوفي للارتقاء عبر التجربة الروحية.

الطريق

* يرى في الحلم أنه يرحل إلى بلاد الروم، وهناك يلتقي بالفتاة الرومية فيقع في حبها ويصير نصرانياً، ويتخلى عنه مريدوه.

* يتخلى عن لباس الصوفية، ويغرق في حب الرومية، ويمارس تربية الخنازير من أجلها.

* يلتقي به مريدوه ويحاولون ثنيه عن حب الرومية.

* قلق في مقام العشق، وصلوات المريدين من أجله، تجتمع هذه كلها لتنقذه من محنته فيدرك عبث الحب الحسي وتتيقظ روحه، ويتخلى عن الفتاة الرومية.

العودة إلى الكعبة

* الرومية تتخلى عن الدنيا وتلحق به لتموت بين يديه مؤمنة.

 الوصول

* يرقى صنعان بالتجربة الذاتية- الروحية إلى المعرفة الكلية وإدراك أسرار الوجود ويصل إلى مقام الفناء، ويصير صوفياً واصلاً.

هيرمن هيسة والعطار ومقاربات

في عام 1911 رحل هيرمان هيسه إلى الهند ومكث سنوات عدة بين رهبان بوذا، كان يريد الابتعاد عن أثقال مدنية الغرب الحديثة التي عبر عن ضيقه منها في روايته بيتر كامنزيند  Peter Camenzind  وهناك وجد عالماً مغايراً فيه ثراء روحي، لكنه لم يتخلص من قلقه الوجودي وكان عليه أن يجد الخلاص في قلبه الذي سكن فيه عالمان: الشرق والغرب، يقول: "عليَّ أن أجد القناطر السحرية بنفسي، لا بد أن أجد أوروبا الحقيقية والشرق الحقيقي في قلبي وروحي" . إنه واحد ممن انداحت في كيانهم دوائر ثقافتين: ثقافة الغرب وثقافة الشرق. لكن ثقافة الشرق عنده لم يكن مصدرها الوحيد هو البوذية، والمقارنة السابقة تظهر ما في روايته من مؤثرات الفكر الإسلامي والثقافة الصوفية الإسلامية، خاصة وأن الدائرة التي تجمع فارس والهند هي دائرة حضارية واحدة، وأن التجاور بين الديانتين الإسلامية والبوذية قد ترك آثاره في التصوف الإسلامي وبخاصة عند العطار النيسابوري الموطن، ومن الطبيعي أن تتضمن رواية سيدهارتا مؤثرات بوذية مباشرة وإسلامية غير مباشرة. والجديد في هذه الرواية هو ولوج الأوروبي الذي يضنيه قلق البحث عن المعرفة وسكينة النفس إلى هذه الدائرة عبر شخصية سيدهارتا.

البوذا غوتاما في رواية هيسه هو روح الشرق، وما يعلّمه ليس هدفه تفسير العالم لمن يبحثون عن المعرفة، وإنما هدفه الخلاص من العذاب. يقول غوتاما في الرواية لسيدهارتا: " الآراء لا تعني شيئاً قد تكون جميلة أو قبيحة، بارعة أو حمقاء، وفي وسع المرء أن يقبلها أو يرفضها، إلا أن التعاليم التي سمعتها ليست رأيي، وليس هدفها أن تفسر العالم لأولئك المتعطشين إلى المعرفة، إن هدفها مختلف تماماً، هدفها الخلاص من العذاب. هذا ما يعلِّمه غوتاما ولا شيء آخر".

إذا كان غوتاما روح الشرق فإن سيدهارتا- وهو اسم بوذا أيضاً : سيدهارتا غوتاما- هو روح الغرب المتعطشة للمعرفة، ولهذا فإن طريق الوصول إلى المعرفة سيكون مختلفاً بينهما، غوتاما يحيد عن طريق الحياة الطبيعية ويسلك درب مجاهدة النفس والزهد، أما سيدهارتا فيقتحم الحياة الصاخبة بمتعها وألقها ليخرج منها بتجربة خاصة، ويكتشف الأمور بنفسه. يقول سيدهارتا مخاطباً غوتاما: "أنت محق في قولك، إن الآراء لا أهمية كبيرة لها، لكن هناك شيء لا تشتمل عليه هذه التوجيهات الواضحة القيمة فهي لا تشتمل على سر ما جرَّبه المجيد بنفسه، هو وحده من بين مئات الآلاف، هذا ما فكرت فيه وأدركته عندما سمعت تعاليمك، لهذا سأتابع طريقي ليس للبحث عن مبدأ آخر أفضل فأنا واثق من عدم وجود ذلك، بل للتخلي عن المبادئ والمعلمين كلهم وللوصول إلى هدفي وحيداً أو أموت".

في منظومة منطق الطير يقود الهدهد الطيور إلى السيمرغ (ملك الطيور)، يسقط بعضهم في الطريق ويصل قليل منهم وعددهم ثلاثون، وصلوا محطمي القلوب فاقدي الأجنحة، سقيمي الأجساد، فرأوا الحضرة دون صفة أو وصف، رأوها تسمو على الإدراك والعقل والمعرفة، رأوا شموساً معتبرة وعدداً كبيراً من الأقمار والنجوم الزاهرة.

هذه الرؤيا تشبه ما رآه غوافندا على ضفة النهر حين قبل سيدهارتا من جبينه فتراءت له أكوان وحيوات. كما تشبه الطريق التي سلكها سيدهارتا إلى المعرفة الكلية الطريق الصعبة التي سلكتها الطيور قاطعة الأودية السبعة، مع الفارق بين التجربتين، إحداهما تؤكد على التجربة الروحية، والثانية تصل إلى الكمال الروحي عبر التجربة الحسية.

وحكاية الشيخ صنعان في منطق الطير تقودنا إلى رحلة مماثلة لرحلة البوذا غوتاما شاكياموني وتماثلهما رحلة سيدهارتا – هيسة مع مفارقة تقتضيها طبيعة الاختلاف بين روح الشرق وروح الغرب، وما يوحدها جميعاً أنها رحلات فنائية تنتهي بالوصول إلى التناغم مع الوجود في وحدة ترقى بالناسوت إلى اللاهوت.

أخيراً

نستطيع أن نقيم حواجز سياسية واجتماعية بين البلدان والشعوب، لكن حواجز مماثلة ثقافية لا بد أن تنهار أمام اندياح الثقافات والحضارات، لأن الكلمة التي تقرأ كالهواء الذي نتنفس، وبخاصة بعد أن اختصرت وسائل الاتصال الحديثة وشبكات النت العنكبوتية المسافات والأزمنة، فالرياح تهب من كل جانب، وبقدر حاجتنا إلى ثقافة الآخر فإننا نحتاج إلى أن نعيد قراءة تراثنا من جديد لنكتشف ما فيه من طاقات داخلية مولِّدة للإبداع والتجديد مغرية بإعادة الإنتاج الثقافي لنتخلص من الشعور بالعجز والقصور أمام المد الثقافي الغربي الحديث. إننا دائماً نجد في ممتلكاتنا الثقافية ما نحاور به الآخر محاورة الند للند.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة