كتاب مفتوح

العدد: 
15131
أحد, 2017/11/12

كل الكتب قابلة للفتح والفهم بيسر أو بمشقة بما في ذلك كتاب الله المخلوق والمقروء .. أي الكون والقرآن .. وهنالك استثناء وحيد يتمثل بكتاب الله المغلق وغير المرئي أي اللوح المحفوظ.

كما هنالك كتابان تركا في ذهني آثاراً لا تمحى وهما: الجزء الثاني أو الباب الثاني من كتاب (التجربة الفلسفية) للمفكر العربي الكبير الدكتور عادل العوا والذي صدر في مستهل الستينيات وقرأته آنذاك مرات متتالية فكان عصياً على الفهم بالنسبة إلي بحكم عدم تعمقي في الدراسات الفلسفية لأنني كنت في مستهل العشرينيات، ولكن ما إن غدوت طالباً في جامعة دمشق في قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في مستهل السبعينيات حتى وجدت الكتاب سهلاً وغير ممتنع على الإطلاق كما خيّل إليّ من قبل.. أما الكتاب الثاني فقد كان غير قابل للفهم بالنسبة إلي لأنني لست مختصاً بالرياضيات ولا بفيزياء الصغائر وفيزياء الفضاء .. إنه كتاب (موجز تاريخ الزمن) من الانفجار الأعظم إلى الثقوب السوداء للعالم ستيفن هوكنغ لكنما أي مختص بالعلوم الرياضية والفيزيائية سيدركه ويفهمه ببساطة متناهية.

أما أنا فأعتبر نفسي الكتاب المفتوح الذي بإمكان كل الإناث والذكور تقليب صفحاته بسهولة ويسر ولكن كثيراً ما يجدني آخرون غير قابل للفهم ففي مستهل فتوتي وحتى أوائل الثلاثينيات من عمري كنت مأخوذاً بالفكر الحيوي والوجودي ومنساقاً بأفكار فريدريك نيشته وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كاموا.. وكان كل الذين يحاورونني ويجادلونني يقولون إنني إنسان ماركسي شيوعي وأنا لم أكن في يوم من الأيام ماركسياً أو شيوعياً على الإطلاق.. وأعتقد أن هؤلاء يموجون في المسارعة في إطلاق أحكام غير مدروسة.

وهنالك إشكالية أخرى قوامها وجود فريق كبير ممن يعرفونني ويقرؤون لي فيسارعون إلى إطلاق أحكام جازمة بأنني حزبي.. مع أنني لا أنتسب إلى حزب سياسي أو ديني أو قومي.

أما الآن فأجد نفسي تلقاء أشكال أشد مرارة لأن الأمر لا ينحصر بعدم قدرة بعضهم على فهمي بقدر ما يصل إلى اتهامي بما أنا بعيد عنه كل البعد.

وإليكم الحكاية ...

إنني كمعظم العاملين بمهنة الفقر كما يطلق عليهم في كل الجغرافيات بعبارات متشابهة ومتقاربة أدركتني مهنة الجوع والحاجة المادية أو كما يحلو لأجدادنا العرب: أدركتني مهنة الفقر أي الأدب والفكر والتوجه الحضاري لأنني لا أمتلك من ينافحون عني من الأقوياء .. ولكنني أحظى بفريق من المحبين والمعجبين بفضل من الله، وهؤلاء كل ذكر وأنثى منهم يساوي عندي العالم بأسره. أذكر منهم الصديق كامل أحمد الذي يسجل اسمه بالأحرف اللاتينية والذي لا أعرف عنه شيئاً سوى أنه سوري حضاري سطر عبارة يوصفني فيها بأروع المواصفات والتي لا أمتلك منها إلا القليل فله علي الشكر والامتنان بما لا يحصى وغيره كثير.

أذكر منهم أيضاً: الباحث المميز عدنان كزارة والمحامي محمد عقاد وتاج آلا والأديبة سها جودت ومنال ناصر وشمس الربيع وخديجة البيك والمحامي ياسين زمام وحامد الأفندي وشادي أحمد. ومؤخراً الباحث المتمكن الذي علق على أحد منشوراتي قائلاً: (مهما حاولت وصفك يبقى شعوري العميق فوق كل الكلمات) وهو ابن إحدى الجغرافيات العربية ولا أعرف عنه شيئاً على الإطلاق سوى اسمه، وكتب لي على الماسنجر (الحب والجمال والوقار والثقافة والعلم والطبيعة تزيدني انبهاراً) ثم قال: (أشعر أنك تقترب من بيت الحكمة بل إنك تطرق بابها، باب الخلافة، هذا الباب موصد لا يدخله إلا نذر من الخلفاء سبقونا إلى الخلافة بعشرات السنين عن طريق الحب والعلم والإيمان، فاحذر يا سيدي.. أحبك جداً وأخشى عليك أكثر، فأنت تحت الرقابة) وهنا يكمن الإشكال.

ولا شك في أنني أكن له مفردات الحب والتقدير والاحترام، ولكن أتساءل: ما هي الخلافة التي يقصدها؟ وما الرقابة التي يخشى علي منها؟

أكاد أميل إلى القول: إنه يقصد الرقابة على المستوى العالمي لأنني غير مراقب على المستوى السوري بحكم كوني مواطناً ألتزم بالقوانين الناظمة كلاً وتفصيلاً في الجغرافيات السورية التي برمجتها /سايكس بيكو/، أما إذا كان قصده الخلافة الإسلامية بكل صورها فأنا بعيد عنها كل البعد مع أنني أدين بالإسلام ديناً والقرآن كتاباً ومحمد صلى الله علية سلم رسولاً  لكل البشرية  ولا أؤمن بالخلافة لأن القرآن الكريم لم يحدد شكلاً من أشكال الحكم والسلطة، بل هنالك أمر بالعدل والشورى مهما حملت السلطات الحاكمة من تسميات متعددة على طول الأحقاب في التاريخ البشري .. وكل ما أحلم به هو مشروع دولة إنسانية تخيم عليها لوائح القيم الدينية والأخلاقية .. وهذه اللوائح القيمية تحتضن كل إنسان في المعمورة مهما كان دينه أو عرقه أو قوميته أو توجهاته الطائفية والسياسية وغيرها.

فلم أنا مراقب، وأية رقابة هذه؟

أذكر فيما أذكر أن الفيلسوف الإنساني ليو تولستوي قال: (الإسلام سيحكم العالم في يوم من الأيام لأنه مزيج من المعرفة والحكمة) ولم تتسلط عليه رقابة ما، والفيلسوف الساخر برناردشو سبق له أن تنبأ بتحول إنكلترا إلى الإسلام لما تمتاز به من مواصفات إيجابية، ولم تلاحقه أية رقابة، والمستشرق الفرنسي أرنست رينان كان يقول: إنه كان يحلم أحياناً بأن يكون مسلماً حينما يراقب المسلمين يتقاطرون إلى الصلاة مع أنه يكن عداءً أبدياً للعروبة والإسلام، وهذا الباحث الفرنسي الحيادي والمتوجه تلقاء الحقيقة ألف كتاباً ترجم بعنوان (إنسانية الإسلام) ولم يحاربه أحد، ولا أريد الإغراق في ضرب الأمثال.

ومع ذلك سننهض وهذا ليس ببعيد، فقد نهض الغرب بانكبابه على العلم وليس بابتعاده عن الدين المسيحي ونهضت اليابان رغم وثنيتها لأنها كما يقول أحد رؤساء وزرائها: (نحن لا نملك عقولاً خارقة، ولكن لدينا معادلة بسيطة: علم + أخلاق + عمل = نهضة) ونحن نمتلك عقولاً خارقة سورياً وعربياً وإسلامياً وبإمكاننا امتلاك العلوم والأخلاق والعمل لأنها من أبجديات كتاب الله المقروء (القرآن) وأساسيات بناء الهيكل الاجتماعي.

سننهض سواء شاء الغرب السياسي وأعوانه أم أبوا ..

وكما تعلمون مؤخراً صرح وزير خارجية ألمانيا قائلاً: (العرب يشكلون 5% من سكان العالم ويشترون 50% من سلاح العالم والنتيجة 60% من لاجئي العالم من العرب).

وأظنه صدق القول، لكنه لم يكن صادقاً على المستوى الآخر، لم يقل لماذا العرب كذلك؟

وأظنكم تمتلكون الجواب واسمحوا لي بالقول: إنني أمتلكه أيضاً .. ومن يريد أن يتأكد منكم بأنني أمتلكه فليتفضل بقراءة بعض منشوراتي: (الكون بين القرآن وفيزياء الفضاء)، (المنطق العلمي في القرآن)، (جدلية العلم والإيمان)، (القرآن والعلم والتواصل مع سكان الفضاء)، (فضاءات هندسة المستقبل)، (الفتنة الطائفية وأبجدية القرآن) ودراساتي المتواضعة الأخرى في فلسفة الحضارات وغيرها.

مع حبي وتقديري واحترامي لمن يتناغمون معي، واحترامي لمن يتخذون مني موقفاً سلبياً عملاً بأساسيات القرآن الكريم كأول كتاب يعترف بحرية الرأي للآخرين ويضمنها بإطلاق.

ويكفي ذلك آياته البينات ومعظم أحاديث الرسول الخاتم الذي سطر أول وثيقة تاريخية في الحكم المدني بين المسلمين واليهود والمشركين حينما وصل مهاجراً إلى المدينة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة