عزف منفرد على أوتار الفتنة وإيقاعها !!!

العدد: 
15137
سبت, 2017/11/18

أرجو أن تسمحوا لي بأن أقدم لحضراتكم اعتراف شاهد على نفسه بأنني لست متفائلاً كما يخيل لمعظمكم عما يخطه يراعي بين حين وآخر ، مع أنني أكتب بمصداقية أغبط نفسي عليها .. أغبطها على هذا التفاؤل الأحادي في كل جوانب حياتي العامة والخاصة لأنني لست كذلك بالفعل ، فقد تتلمذت على أبي العلاء شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء منذ استمسكت بالكتاب طريقاً إلى الله والفضيلة ودرباً متعباً في الحياة الدنيا وموصلاً إلى السعادة الوحيدة  في العالم الآخر . وهكذا كنت صديقاً لرهين المحبسين أبي العلاء المعري ولا أختلف معه إلا في موقفه السلبي من المرأة والذي لا يتكئ على علم وهدى وحكمة ، ومع ذلك كنت أجد له المبررات الخاصة به مع أنني أرى الأنوثة كالوردة وشذاها.

وحافظت على علاقتي الدافئة مع أبي العلاء رغم توغله في التشاؤم لأنني لست أقل منه تشاؤماً ، وما إن اطلعت على الفكر الغربي مبكراً حتى ضممت آرثر شوبنهاور فيلسوف التشاؤم إلى أصدقائي رغم خلافاتي معه في أكثر من توجه فلسفي ، وبما أنني من الذين يتقنون أبجدية الوفاء فقد حافظت على علاقتي الدافئة مع المعري وشوبنهاور حتى يومنا هذا .

لكنما رغم تشاؤمي في كل الأمور فإنني أحظى بتفاؤلين مذهلين أحدهما قديم ينغمس في ينابيع الحب وبحيراته . وثانيهما جديد كل الجدة برز في حياتي مع بروز الفتن في الجغرافيات العربية صبيحة القرن الواحد والعشرين ولا أكاد أرى إلا أن الحصاد النهائي لهما سلام وأمان وعلم وعمران وتوجه تلقاء الإسهام في هندسة المستقبل للبشرية جمعاء .

في الأمس القريب كان العرب والسوريون خاصة ينسجون آمالهم وأحلامهم لما هو آت عبر لقاءات وردية بخيوط ذهبية وفقاً لاهتمام الشباب بالعمل والتحصيل الدراسي وعزف إيقاعات وجدانية للأنوثة والذكورة على موائد الحب والزواج وهندسة حدائق حالمة حيناً واقتصادية حيناً آخر توجهاً تلقاء مستقبل واعد وتطلعاً إلى غد حضاري ، وفجأة وبلا سابق إنذار تستدير الأحلام تماثلاً مع رقصات الديك المذبوح من الألم لإعادة الجميع إلى ذكريات منسية في الأيام الخوالي يوم كنا ننسج طموحات الغد الكبيرة  .. فإذ بنا نتساقط في مهاوي الأحزان .

لقد توالدت الأعاصير وتفاقمت الأمواج وجعلتنا في موعد مع المجهول الذي جعله العزيز الجبار خيراً وسلاماً ، ورغم كل الصور والأشكال الهمجية التي تكتسح المنازل والشوارع في سورية كما في معظم الجغرافيات العربية تحول المقيمون في ديارهم إلى مهاجرين تلقاء أقاليم وقارات أخرى ليصبحوا كالأيتام على موائد اللئام خوفاً من أن تسحقهم الفتنة  وتغتالهم المسرحية الدرامية التي قدمت نفسها ربيعاً عربياً فكان حصادها صقيعاً عربياً هنا وجحيماً عربياً هناك ، وبشكل يذكرني بالأنساق الروائية لثيودور دستوفسكي في معظم أعماله بدءاً من ( الإنسان الصرصار ) إلى (الجريمة والعقاب)و( الأخوة كرامازوف) وتستدعي إلى ذاكرتي الأحداث الوحشية لرواية (الساعة الخامسة والعشرون) التي تستعرض الأحداث الهمجية لمآسي الحرب الكونية الثانية والتي غاب عني اسم كاتبها لأن الويلات التي تحيق بنا تفوق وحشية الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين .

إن ميلاد سلطان طاغية في قريتنا الصغيرة الأرض بمواصفات حديثة وملمعة تحسبها قوس قدس فإذا بها شر من بعده شر تصدره الجحيم إلى بساتين التفاح والزيتون والفستق وبيارات الليمون والبرتقال ومزارع الخضار ليحول ألوانها من اخضرار إلى سواد فاحم .

ومع هذا كله لم تتمكن الفتن من تحويل طموحاتنا إلى غثاء أحوى ولم تجعل أحلامنا بالغة الامتناع وغير قابلة للتحقيق بحكم قدرتها على الضرب بأوتار من حديد لجعلها كالبراكين التي يصعب إخمادها وصولاً إلى رهانات خاسرة بحكم مقدرتنا على التجدد الولادي لأننا أبناء الحضارات الأولى من قبل ومن بعد.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة