عزف على أوتار الفتنة وايقاعها

العدد: 
15143
جمعة, 2017/11/24

سيتساءل المتسائلون من أبناء هذه الحقبة المسروقة من مسارات التاريخ الحضاري ومعهم كثير ممن على موعد مع الحياة في الأزمنة القادمة :

كيف تمكن مهندسو الفتنة أطلاق زمجرتها قتلاً وحرقاً ودماراً على الهوية الاعتقادية حيناً ووفق أهوائهم حيناً آخر وكأنهم يجسدون قوله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ؟.

وكيف استطاعوا إيقاع الروحي في السرير الزمني وصولاً إلى وضع الملائكي تحت سيف الشيطان وكأني بهم يحققون رغبات من يريدون علواً في الأرض وفساداً تلقاء ظلمات ليس لها قرار ؟!

يلوح لي أن الجواب ماثل في الطبيعة الحيوانية الجاثمة في أفئدة رواد الفتن  التي تولد في حياة الجماعات حالات يتغلب عليها سلطان الغريزة دونما استحياء وكأنهم وحوش ضارية وهذا ما لمسناه في مجتمعاتنا منذ اطلالة القرن الواحد والعشرين حتى يومنا هذا مع اقتراب نهاية العام السابع عشر بعد الألفين.

أما الكيفية .. فقد تمت بما هندسه الغرب السياسي بإحكام  ، فقد رسم الرغب السياسي وأعوانه أبجديات الاستخدام المشروع للعنف والإرهاب سورياً وعربياً وإسلامياً بمخططات تهليلية وزغردات احتفالية مهيأة كل أسباب الإنزلاق والسقوط والتشظي للممثلين والمشاهدين انسياقاً تلقاء براكين ليس لها قرار..  ومع ذلك يرفع الغرب السياسي ومن هم في ساحته رايات قمع الإرهاب مع أنهم الإرهاب كله.

فماذا نحن فاعلون ؟

إذا كان الغرب السياسي وزنادقته قد رسموا لنا العيش في صحراء الشعور ظمأ إلى ماء الحياة منذ بداية نهضته بحكم تقوقعه في أحضان القومية العنصرية الآرية والمركزية الأوروبية .. فها هو قد تعدى ذلك ليحشرنا في دوامات العنف والرعب والإرهاب مستهدفاً جثمان شرقي المتوسط آسيوياً وجنوبه افريقياً بعد أن اصطاد الثقة واستمسك ببهائه.

فاسمحوا بتكرار التساؤل : ماذا نحن فاعلون ، إن زلازل ما بعد اليأس من شأنها تحقيق ميلاد حتمي لمشاريع الأهداف الجسام وهيكلة الآمال الجريحة كما يؤكد منطق التاريخ وفلسفة الحضارات حسب رؤيتي المتواضعة وهذا رهين بتحقيق المواطنة المعقلنة توجهاً تلقاء العيش المشترك وتجاوزاً لكل المتاهات الإقليمية والطائفية والدينية والعقائدية وترسيخ أبجدية الحب الكبير .. حب الله والانسان والعالم .. وهل يتوالد حب الإنسان والعالم إلا من خلال الوطن وإيقاعه السيمفوني لبناء الحياة ؟!

وأظن كل الظن أننا متوجهون شطر الحياة .. وأعتقد كل الاعتقاد أننا ماضون في ذلك قريباً ..فالربيع العربي الكاذب الذي بشر به الآخرون ومهدوا له الدروب كان جحيماً طالنا جميعاً واكتوينا بناره ومازال يضاجعنا جحيم مابعده جحيم  ، لكننا راحلون عما نحن فيه شاء الغرب السياسي وأعوانه أم أبوا .. وشاءت الأنفس الأمارة بالسوء أم أبت . فكل أبجديات التاريخ وفلسفة الحضارات تؤكد لي ذلك جراء استلهامي لصيغ المستقبل الموعود واستبصاري لما يخطط له الغيب بفضل من الله ومدد لا يعرف حداً .. وأكاد أراه في الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين الذي يمتلك الآمال الجسام ويحتضن الرجاء ببارئ الأكوان ، وليس علينا إلا معانقة المعارف والعلوم ، والشروع بالتخطيط المعقلن والإنكباب على العمل والانجاز والخروج من تسرطن الأنا وخلع أردية النفس الأمارة بالسوء ووضع اللوائح الدينية والأخلاقية موضع الفاعلية والتطبيق توجهاً تلقاء ربيعنا القادم للإسهام في تحقيق إنسانية الإنسان في كل مكان من العالم.

إن التأملات العقلية ليست هي التي ترسم التاريخ لأنها في معظم الأحيان تطغى عليها اندفاعات الغريزة الفردية والجماعية تحت مسميات وهمية وهذا ما نلمسه منذ ألف عام تقريباً جراء طغيان الغرب السياسي.

فالتاريخ يسير وفق التأملات العقلية إذا كان هاجسه بناء الإنسان كما كان في زمن الرسول الخاتم ، ولكن حينما يزيغ كشأنه منذ قرون  تتدخل الإرادة الإلهية  بشكل أو بآخر لإحقاق الحق لمرحلة  ما ولإيقاف غطرسة  المفسدين في الأرض ، وهذا ما يقودنا إلى القول وبمزيد من الحسم أن الثورة كل ثورة على الإطلاق أما أن تكون أخلاقية بكل مواصفاتها أو لا تكون ثورة على الإطلاق .. لا تحمل إلاّ ما يحمل السراب في الصحارى للظامئين .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة