بلوغ الأرب في حل مشكلة العرب

العدد: 
15144
سبت, 2017/11/25

عنوان قديم وجديد كنت منذ زمن بعيد أريد الكتابة فيه، إذ يتساءل الكثيرون عن سبب الاضطراب والفوضى والمآسي التي يعيشها عالمنا العربي وعما إذا كان هناك علاج ناجع أو خطة حضارية مدروسة لحل تلك المعضلة القديمة الجديدة، وعما إذا كنا نستطيع الخروج مما نحن فيه أو تدارك ما فاتنا وأن نوقف هذا النزيف الحاصل في جسد الأمة، فقد بلغ السيل الزبى ولا مجال لأي تأخير أو مماطلة في وضع أسس التغيير الحضاري والسير إلى الأمام بأسرع ما يمكن، وذلك حين نجد – وقد وجدنا – أننا قادرون على القيام بهذا المشروع النهضوي بما نتمتع به من مقومات بشرية واقتصادية وجغرافية تمكننا من أخذ مكان مرموق تحت الشمس.

إذ كيف لنا أن نتصور أمة تعيش فوق كنز من الماس وأنهار من البترول وهي مشتتة تتنازعها الحروب وتنهكها الدسائس والفتن فتجعل أفرادها فقراء مشردين ومهاجرين في أصقاع الأرض يساقون بمئات الآلاف ضائعين لا يعرفون ما ينتظرهم من مصير.

في أول سفر لي إلى خارج الوطن كنت مسافراً إلى إمارة (أم القوين) في دولة الإمارات العربية وكنت أراقب ما تقطعه الطائرة من مسافات شاسعة رغم تصوري المسبق لجغرافية المكان الذي كنت ذاهباً إليه وأقول: يا لهذا الوطن الكبير الذي يكاد يكون من أكبر دول العالم مساحة، بل ويتفوق على سائرها بموقعه المميز وثقافة أهله ولغتهم الواحدة! وكم كنت سعيداً حين وصلت الإمارة التي تقع في أقاصي الجزيرة العربية فوجدت أناساً لا أكاد أتميز عنهم بشيء في اللغة والثقافة، تلك الميزة ألا وهي الثقافة واللغة الواحدة التي تعتبر من أهم عوامل قوتنا ووحدتنا نحن العرب.

لا شك في أن عوامل قوتنا أكبر من مسببات ضعفنا أو أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، إذاً فأين المعضلة وأين المشكلة؟

لماذا لا نشخص أسقامنا ونضع حلولاً لمشاكلنا؟! لقد آن لنا أن نكون واقعيين ونعترف بأخطائنا ونناقشها، فلسنا أنبياء معصومين عن الخطأ وزمن المعجزات قد ولى، وها هي الأمم قد كشرت عن أنيابها وتتربص بنا وتكيد.

أما آن لنا أن نتنبه ونزرع بذور الثقة بيننا ونبتعد عن كل فكر هدام ودسيسة دسها الاستعمار فينا وننشر جسور الثقة والمحبة بيننا كأفراد وكدول متفرقة؟! تعالوا نعيد بناء هذا الوطن وفق نسق حضاري وعقائدي خلاق ونعيد صياغة مؤسساتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يتفق ويحقق نظرتنا إلى العالم الذي نتمناه.

فمثل هذا المشروع يتوقف على تثبيت وترسيخ القيم الحميدة من خلال ممارسات سياسية وثقافية تقوم على أساس المشاركة الشعبية في إطار إشباع الحاجات المادية والروحية والأساسية للجماهير والتي سينبثق عنها تلاحم جماهيري على امتداد الساحة العربية.

إن النظر إلى المصلحة الأسمى للشعوب هو ما يجب أن تتبعه الأنظمة السياسية العربية، وذلك من خلال التوفيق والتحالف والمصالحة بين الأفراد والجماعات ذوي المصالح المشتركة لتحقيق الانسجام والتوازن الاجتماعي الذي ينهض عليه النظام العام.

ففي السلطة المطلقة يتعذر تحقيق أي نوع من التسوية بين الأفراد، فطالما أن المحرك الأساسي للإنسان هو تحقيق أهدافه الخاصة ومصالحة المادية والفكرية والاجتماعية فقد اتفق الناس على التعاون فيما بينهم وحماية أنفسهم من الأخطار.

في ظل ذلك سنرى الشعوب العربية تقدم التضحيات الفردية والجماعية وستخوض حروباً في سبيل تحقيق تنميتها على المستويين الداخلي والعالمي وهذا التحول سيكون بلا شك نتاج عمل إنساني دؤوب تحتضنه إرادة عقلانية وتساهم في إنجاحه توازنات بين القطاعين العام والخاص دون سيطرة أحدهما على الآخر.

لا شك في أننا ما زلنا دولاً متفرقة وذات مشارب سياسية متفرقة وحقيقة الأمر أن تحالفاتنا وعلاقاتنا الدولية ليست سوى علاقات مؤقتة لأنها بين طرفين غير متكافئين ولا تجمعهما روابط الدوام والاستمرار إذ سرعان ما ستزول هذه التحالفات لأنها لم تقم على قواعد سليمة، ولعل التحالف الأهم والضروري الذي يمكن أن تقوم به الدول العربية يتمثل في لم الشمل بين مختلف دولها لأنه التحالف الصحي والمنطقي الوحيد الذي سيستمر ويقوى ويعيد بناء المجتمع العربي المتكامل.

إذن نحن اليوم أمام خيارين، إما أن نقترب من بعضنا ونحل خلافاتنا ونزرع بذور المحبة والثقة بيننا وإما أن ننتظر ذلك المجهول.

تلك الحقيقة التي يجب أن ندركها وألا نتغاضى عن فهم نتائجها، فإلى أخوة العربية في كل أقطار العروبة الحذر الحذر مما ينتظركم فقد دقوا طبول الحرب ضدنا وعلينا أن ندق طبول الوعي ونسخر طاقاتنا لنحافظ على أنفسنا ونبني مستقبلاً مشرفاً لأحفادنا.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة