وطن تحميه ، تستحق العيش فيه

العدد: 
15153
اثنين, 2017/12/04

وطنٌ تَرى رُوحاً فِداهُ رَخيصةً...

قد حُزتَ فيه تحيةً وسلاما

وعلوتَ شأناً إن سعيتَ لنصرِهِ...

أما التخاذُلُ فالحضيض لزاما

فاجعل محبّتهُ بقلبكَ رافعاً...

عن كلِّ خوّان العهودِ تساما

وطنٌ لا تحميه لا تستحقُّ العيشَ فيه، عبارةٌ رائعة ومعبّرة اتخذها لواء القدس "فدائية الجيش العربي السوري" شعاراً منذ تأسيسه، وهو شعارٌ آسرٌ ومؤثّر؛ أُعجِبتُ بهذا الشعار لما يحمله من رمز للمواطنة على كافة الأصعدة وسائر المستويات، ولجميع المواطنين الشرفاء.

غير أني وجدتُ أن أحذف أداة النفي في هذه العبارة _ كعنوان لمقالتي _ لتكون تقريراً فكرياً يُحفِزُ بمنطوقه الجميع ويقرِّعُ بمفهومه المخالف المتخاذلين. فوطنٌ تحميه تستحقُّ العيش فيه وإن كنت خلاف ذلك فلا تملك أحقية العيش في هذا الوطن ويقرعُ ضميرُك مفهومه المخالف: "وطنٌ لا تحميه لا تستحقُّ العيشَ فيه".

إننا بحاجةٍ ماسَّة إلى نشر وتفعيل هذا الشعار ليكون ذا أثر واقعي على الأرض في جميع انحاء وطني سورية لا سيما في هذه الأيام المفصليّة من تاريخ أُمّتنا؛ إذ أن الوطن ليس كلمة من حروف خمسة نتلفظ بها بشكلٍ عابرٍ أو رتيب، إنه تلك المعاني الكثيرة والعظيمة والمتلألئة في فضاءات الفكر الإنساني على اختلاف توجّهاته، سياج الأمان وعِطرُ الزمان ونبعُ الحنان،

لا نستطيع أن نُجسّدَ الحب الحقيقي لوطننا؛ تضيقُ قوالب الكلمات وتعجزُ الحروف عن وصف هذا الحب؛ إنَّه وجودنا الحقيقي.

الوطن هويتنا التي نقتبس منها ملامحنا، نستظلُّ بظلِّه ، ونتنسّمُ هواءه، نأكلُ من خيراته، ونتَّصفُ بصفاته، الوطن فخرُ الشرفاء، وكنزُ العُظماء، ومعبدُ الأتقياء، أفكارنا فيه تتحاور، وقلوبنا في رحابه خافقة، وأرواحنا في أرجائه محلّقة، وعندما يأتي قضاء الله تعالى تغدوا أجسادنا في ثراه كحبّة تُنبتُ معاني الوفاء للأجيال القادمة وتضمنا إلى جذورنا العريقة إلى أولئك الذين ضحوا وبذلوا وبنوا حضارة وطننا الغالي.

الوطن أبي الذي ربَّاني ووجَّهني، وأمي التي أرضعتني واعتنت بي وحنت عليَّ، إخوتي وأخواتي، أقربائي وجيراني، هو المدرسة والملعب والجامعة والمسرح، عشقنا السرمدي وبيتنا الأبدي الكبير الذي يجمعنا دائماً.

الوطن قيمنا الغالية، وضمائرنا الحية، وقلوبنا النابضة بالحب والعطاء، أعظم نعمِ الله على المؤمنين.

وإن من أعظم الفِطَر التي فطر الله تعالى الناس عليها وجعلها في أصلِ جبلَّتهم حبَّ الوطن ومما يشهدُ بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة، نظر خلفة مخاطباً أم القرى قائلاً: ( والله إنك أحب بقاع الأرض إلى نفسي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) رواه الطبراني في المعجم الكبير.

ولأن محبة الوطن فطرة، كان الموت دفاعاً عنه من أعلى مراتب الشهادة، وكان التخاذل حين يحتاج الوطن أبناءه، من الكبائر المُعبّر عنها بـ "التولي وقت الزحف"، وأما الكيد للوطن ومساعدة من يريدون به الشر فهو خيانة عظمى، لذلك فإن حب الوطن والدفاع عنه ليس شرفاً ومروءةً فحسب، بل هو دينٌ وعبادة نتقرب بها إلى الله تعالى، ونرجو بها نيل العزّ في الدنيا والمثوبة في الآخرة.

إن محبة الوطن تقتضي منّا الرعاية والحماية التي تكون بأمورٍ كثيرة ولعلَّ من أعلاها وأعظمها أن يطَّلعَ المرءُ بمسؤوليته تجاه وطنه في مسيرة إعادة الإعمار والتعافي مما خلّفته يد الإرهاب الآثمة.

من المُهم أن يدرك كل إنسانٍ من شعبنا أنه على مُطالب بالبناء من موقعه الذي هو فيه، مهما كان مجال عمله وطبيعة مسؤوليته، فحماية الوطن تتطلب من الجميع العمل على سدّ حاجاته وتطوير قدراته وإزالة كل ما من شأنه أن يُعيق تقدمه وازدهاره. 

إننا في وطننا سورية بحاجة إلى تضافر الجهود بحاجة إلى طاقات وسواعد وعقول أبنائها في كل موقع، وفي كل زمان ومكان، لنُعيد لوطننا هيبته وكرامة شعبه.

سورية تستحقُّ منّا كلّ بذل لنحميها ونعيش فيها؛ فيا ربنا احفظ لنا سوريتنا وأعد إليها تألقها وازدهارها وأمنها وأمانها.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة