مفهوم الحرب في العقل العربي والأوروبي

العدد: 
15154
ثلاثاء, 2017/12/05

غالباً ما تحدث الصراعات نتيجة تعارض أو تصادم بين اتجاهات مختلفة أو عدم توافق في المصالح بين طرفين أو أكثر مما يدفع بالأطراف المعنية إلى عدم القبول بالوضع الراهن ومحاولة تغييره وقد يتخذ الصراع أشكالاً متعددة تبدأ بالنزاعات البسيطة كالنزاع الدبلوماسي مثلاً والذي يحصل ضمن الإجراءات المعروفة والمعمول بها دولياً وقد يتطور إلى ما هو أبعد من ذلك فيؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض العقوبات الاقتصادية وتبادل الاتهامات والحملات الصحفية وغير ذلك من الأساليب إلى أن يصل إلى حد الصراع أو النزاع المسلح الذي يلغي جميع القنوات التقليدية ويتجه إلى قنوات أخرى تتسم بالعنف واستعمال القوة .

ولكن هل النزاع المسلح هو الوحيد الذي يمكن أن نسميه حرباً ؟

بالطبع لا فهناك كثير من أشكال الحروب ولكن هذا النزاع هو الأخير ويأتي في خاتمة حروب أخرى كانت قد بدأت وهو بالطبع ينهي ما سبقه من حروب ويضع حداً لكل الصراعات الفكرية والعقائدية والنفسية التي كانت قائمة ويمهد لنشوء ثقافات جديدة تحكمها إرادة المنتصر وشريعة الأقوى.

أجل لقد حورب العرب على مدى تاريخهم الطويل بحروب عديدة كانت أخطر وأشرس من الحملات العسكرية إذ أنها كانت تمس جوهر وأساس الثقافة والشخصية العربية وتمهد للقضاء على الأمن القومي للعرب فلم تكن الحملات العسكرية التي قامت ضدنا مجرد نزاعات عسكرية فقط بل سبقها حروب لا علاقة لها بالنزاع المسلح كالتحالفات المشبوهة ودس الدسائس والحصار فـ(هولاكو) مثلاً لم يدخل بغداد قبل أن يتحالف مع كثير من القبائل في شمال وشرق العراق حتى أنه كاد أن يدخلها دون قتال وفيما بعد وأثناء الحملة الفرنسية على مصر والشرق قام نابليون بجلب أعداد كبيرة من العلماء إلى مصر قامت بدس ما شاؤوا من أفكار ودسائس وتغيير للحقائق الفكرية والتاريخية للشعب العربي في مصر فألفوا في ذلك الكتب والمراجع الكثيرة ولعل أشهرها كتاب (وصف مصر) الذي ألفه مجموعة من العلماء الفرنسيين الذين سبروا مصر من أقصاها وحتى منابع النيل وكتبوا تاريخها كما يشاؤون وحرفوا فيه ما يرغبون بدءاً بحجر رشيد وانتهاء بقراءة وتفسير الرقم المصرية التي مهدت فيما بعد لقيام دسيسة الفرعونية في قلب الوطن العربي.

ومثل ذلك كان في سورية والعراق حين كانوا يبعثون طلائع جنودهم وجواسيسهم إلى أوطاننا تحت مسميات الحملات الاستكشافية وغيرها ويكفي أن نعلم أن الضابط الإنكليزي (توماس إدوارد لورنس) المعروف فيما بعد بـ(لورنس العرب) والذي ساعد القوات العربية أثناء الثورة العربية كان منقباً للآثار بالقرب من مدينة الرقة السورية وهذا يدل على خبث بعثاتهم وتدخلهم في كل خصيصة من خصائصنا الفكرية والتاريخية حتى أن المذكور كان يتقن لهجات البدو المحكية في بلاد الشام والجزيرة العربية وقد حدثني أحد المستشرقين الغربيين عن اتفاقية (سايسك – بيكو) فقال أنها لم تكن اتفاقية سياسية وعسكرية يتم بموجبها تقسيم الوطن العربي فقط . بل كان إلى جانبها حيثيات ثقافية تنص وتوصي بالعمل على القضاء على اللغة العربية ذلك لأنها تمثل الحصن الأقوى في بقاء تلك الأمة ويتم ذلك بالقضاء على الشعر العربي أولاً لأنه يمثل ديوان العرب ومنبع فكرهم وسجل تاريخهم وأعتقد أنهم قد نجحوا تماماً في تلك المعركة ودليل ذلك ما نراه من ابتذال وشطط وغموض في نتاج من يسمون أنفسهم بالحداثيين إذ لا يمكنك أن تفهم سطراً مما يكتبون ولو قرأت سفراً ومجلدات مما يدعون وهذا يؤدي إلى خدر ووهن في نفسية الأمة وتفكيرها.

كل ذلك ينطوي تحت ما يسمى بالحملات النفسية التي تسبق وتكمل الحملة العسكرية وتمهد الطريق للجيوش المتقدمة وهي بهذا المعنى حرب هجومية يخوضها الجيش بأسلحة فكرية من أجل تحطيم المقاومة المعنوية في مقدرات العدو العسكرية والمدنية.

ولعل أقرب مثال على ذلك هو ما رأيناه ونراه من تخطيط أمتد لعشرات السنين بهدف إنشاء كيان صهيوني مصطنع وخلق أمر لم يسبق له مثيل من قبل وذلك حين اقتلعوا شعباً آمناً من أرضه واستبدلوا مكانه شعباً آخر وكلنا يعرف التاريخ الطويل الذي استغرقه ذلك الأمر والمكائد والممارسات اللاأخلاقية التي مورست في سبيل إقامة ما يسمى بدولة إسرائيل والتي كانت بمثابة خنجر مسموم وضع في قلب الأمة العربية.

إن كل ما يحصل في بلادنا اليوم من مصائب واقتتال هو بلا شك من صنع ذلك الكيان الخبيث المزروع بين ظهرانينا وما نراه من فوضى وتخلف ومآسي هو نتاج ذلك الخنجر الدامي الذي يفتك بنا ويستنزفنا .

إن وضع استراتيجية الاستنزاف وتطبيقها على عالمنا العربي هو الذي يستطيع أن يفسر لماذا لا تستطيع قوة ضخمة كالبلاد العربية من حيث المستوى والتجهيز العسكري الوقوف أمام قوة أقل منها كإسرائيل إنه التآمر العالمي والتخطيط المسبق الذي يرسخ جذوره في عالمنا العربي والذي يصعب محاربته واجتثاث نتائجه الخطيرة.

فكل ما نراه اليوم كان معداً ومقرراً ومدروساً منذ عشرات السنين ولم يأت كأمر آني أو كرد فعل اعتباطي وهذا يوضح بأن أنفاسهم طويلة وعميقة وقد تمتد لقرون طويلة وأنهم وحتى يومنا هذا ماضون في استنزافنا وشلّ قدراتنا بهدف إبادتنا ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل ماذا خططنا نحن وما فعلناه تجاه ما يفعلون ويمكرون وهل كنا ندبر لهم كما يدبرون أو على الأقل أن نعمل للحفاظ على ما نحن فيه .

إن طريقة تفكير العالم العربي تختلف كثيراً عن مثيلاتها لدى الغرب ولدى إسرائيل بالذات إذ أننا وخلال تاريخ صراعنا الطويل مع الأعداء لم نستطع أن نسبر مجتمعاتهم فنستفيد مما يفكرون ويعملون فتكون أمورهم ونقاط ضعفهم مكشوفة لنا وتسهل علينا إن حصل صراع ما التغلب عليهم.

ويكفي أن نعرف أن رجال الاستخبارات الإسرائيلية حالياً يدرسون عن العرب دراسة أكاديمية في الجامعات مما يوفر لهم التعرف على اللغة والعادات وطريقة التفكير وكلنا يعلم أن أول شيء قامت به إسرائيل أثناء اجتياحها لبيروت هو تدمير مركز الدراسات الفلسطيني الذي كان قد أنشئ حديثاً.

لذلك فإن إعداد الدراسات المستفيضة عن العدو مثل المدمرة أو السفينة الحربية الكبيرة التي تحوم حولها زوارق خفيفة لأنها القوة الخفية التي تستمد منها كل أنواع الأسلحة قوتها.

إن أهم ما ينقصنا هو وضع الاستراتيجيات البعيدة للتعامل مع الأعداء إذ أن الاستراتيجية هي في الحقيقة فعل وطني ومسؤول ومنتهى العبقرية وما العبقرية إلا صبر طويل الأمد يخضع للفكر والعقل ويتطلب الكثير من العمل بهدف الوصول إلى الأهداف التي حددتها السياسة وذلك لإجبار الخصم على قبول الشروط المتعلقة بحماية الوطن والذود عن مصالح الأمة.

إن الحروب التي تسبق النزاع العسكري كالحرب النفسية والحصار الاقتصادي والاستنزاف وكل ما تتطلبه الحروب هي التي تحدد نتيجة المعركة النهائية والنزاع العسكري لذا كان لزاماً علينا الإعداد والإعداد ما استطعنا إلى ذلك سبيلا لأنهم يعدون لنا ما استطاعوا ولأنهم كما أثبت الواقع والأحداث الحالية لا أخلاقيون وعدوانيون بشكل شيطاني ولن يردعهم رادع سوى تماسكنا واستقرارنا واتحادنا ذلك الذي سيقوي مجتمعاتنا ويرسخ وجودنا ويعزز مكانتنا بين الدول وإلا سنبقى ضعفاء وسيتفردون بنا ويستقوون علينا بلداً تلو الآخر كما هو حاصل ويحصل اليوم ولن يسلم بلد من مكرهم وألاعيبهم وسنبقى مطاردين بجبروتهم وتعسفهم وسفالاتهم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة