ليلى والمجنـون .. مجنون إلسا

العدد: 
15154
ثلاثاء, 2017/12/05

تراتيل أراغونية .. مجنون إلسا

قد يكون "مجنون إلسا" للشاعر الفرنسي الكبير لوي أراغون أشهر أعماله الشعرية وأكثرها بقاء، بل إنه في نظر النقاد والباحثين في الغرب أحد أجمل الأعمال الشعرية على مدار القرن العشرين، ليس في فرنسا وحدها، بل في العالم قاطبة. وهذا النص الشعري الخالد يمتح من التراث العربي. فهو يقتبس حكاية مجنون ليلى بخطوطها العامة المعروفة، غير أنه يصور المجنون (قيس) تائهاً في دروب غرناطة الأندلسية وأزقتها وحاراتها قبل سقوطها بقليل على أيدي الملكين الإسبانيين فرديناند وإيزابيلا، وهكذا فإن أراغون كان في عمله هذا شاعراً عربي الروح والوجدان فتنته الأندلس بجمالها وتاريخها ومعارفها وتراثها وشعرها الغنائي، وتشبع بروح العشق المبرح والذي يعتبر المجنون أبرز نماذجه. وإذا كان أدونيس يرى في الثابت والمتحول أن على الشعراء العرب أن يبنوا حداثتهم الشعرية في أفق الشعر الأوروبي. فإنه ومن المستغرب حقاً أن نجد الشعر العربي هو الفضاء الذي بنى فيه أراغون بعضاً من حداثة شعره وفيض وجدانه.

في الملاحظات التي يوردها المستعرب الفرنسي جاك بيرك في دراسته عن "الزجل في الأندلس"، يقول أراغون: إن أحمد بن بلاّ دعاه عام 1962 لزيارة الجزائر. وفي مطار أورلي تراود أراغون فكرة "مجنون إلسا"، ترسم مرحلة ما بعد تحرر المغرب العربي من الاستعمار. يقول أراغون: "أردت أن أشيد بهذا التحرر لذلك تعمقت في الشعر العربي كما ترجمه مستشرقون من أمثال لوي ماسينيون. دخلت إلى مجاهل الكتابة والصرف والنحو، وأعجبتني بشكل خاص الصوفية المشرقية كما تبلورت مع مجنون ليلى، حيث سطر الشاعر العذري هيامه بهذه المرأة المستحيلة.

ويتأمل المجنون (قيس) في مصير آخر ملك عربي في الأندلس، وهكذا يتكلم أراغون على لسان شاعر ومغني تروبادور يجول في شوارع غرناطة واسمه قيس بن الأمير النجدي (يقابل قيس بن الملوح في القصة الأصلية)، يهيم وجداً بامرأة تدعى إلسا (تقابل ليلى في القصة الأصلية)، لن تتجلى على الأرض إلا بعد عصور، ويستبطن المجنون المستقبل، وتتلون نبوءاته بألوان الفولكلور الشرقي الإسباني الأندلسي، فتصور تقاليد الأندلس وطقوسها وأساطيرها، كأننا أمام فانوس علاء الدين السحري أو حكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة.

"مجنون إلسا" تمثل ملحمة الحب الروحي النقي الرائع في جهنم الغرب المعاصر. وهي تزاوج بين التاريخ والأسطورة والشعر والنثر. كما أنها تبلور مفهوم الوطن الضائع والحبيبة الضائعة. ولكن من يعش في الألم يجب أن يؤمن بالزمن الجميل، و"مجنون إلسا" تكتب تاريخاً جديداً للحرية عبر هوية الوطن والقبض على أسرار المرأة المعشوقة. والمرأة ليست عروس القصيدة فحسب، إنها صوت الغابة، والخيار المأساوي الوحيد في قدر يفتقر إلى النعمة. يقول أراغون: إلسا كانت كرامتي أو الوعد بالكرامة، حزام أمان عاطفي كي أعيش في حالة من الدهشة، للحؤول دون ذوباني في الغناء الخارجي للتاريخ".

  أعطيني يديك من أجل القلق

  أعطيني يديك اللتين بهما حلمت

  اللتين حلمت بهما طويلاً في وحدتي

  أعطيني يديك ففيهما سلامتي

  أعطيني يديك لعل روحي فيهما تنام

   فلتنم روحي فيهما إلى الأبد!

بطل أراغون "المجنون" يؤسس مفهوماً جديداً للحب في عصر القهر والاستغلال والتكنولوجيا المدمرة، عصر المادة الجهنمي، أما إلسا (ليلى) التي يتغزل بها فهي السبيل والنور لوعي العالم وتجاوز مآزقه وأزماته.

يا حبي أنت عائلتي الوحيدة المعترف بها

من خلال عينيك أرى العالم

أنت تجعلين أمامي الكون محسوساً

وتعطين معنى فيَّ للمشاعر الإنسانية

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة