السعيد من ضياء ترشيحا إلى شمال الشام

العدد: 
15156
خميس, 2017/12/07

ولد الشاعر محمود علي السعيد في بقعة غنية بالخير وترعرع في طبيعة هادئة لطيفة وانتقل من ترشيحا إلى المدينة البيضاء حلب الشهباء وقد هيأ الله له صوتاً جهورياً ليس كصوت ورقة خريفية ترتعش في الهواء، فشفتاه تزهران إيقاعاً موسيقياً ووجدانه يخترق ما حوله بخشوع صوفي غير قابل للانطفاء تحتضنه روح سحرية تحمل لمسات أغنية ملونة بألوان قوس قزح ورغم تجاوزه عتبة الشباب الملقحة بكل أبجديات التحرير للأرض التي رأى الضياء تحت سمائها فهو مأخوذ بالدهشة كيف رسم الآخرون حدودها بالنار والرصاص وأرغموه على النزوح منها. فرحل من ضياء ترشيحا التي ادلهمت بالظلمات إلى شمال الشام التي كانت تبحث عن نفسها مع كل الجغرافيات السورية والعربية لتحقق موطئ قدم لها في غياهب المستقبل لهذا فهو يحقد على من هجّروه قسراً في الوقت الذي يطغى عليه فيض الآمال العريضة بغد مشرق، ولهذه تراه أبداً يبحث عن المبشر السعيد لأنه يشعر كما لو أنه الشاعر الذي اصطفاه الكون رسولاً لأجمل أسراره.

 وأسرار الكون عند محمود علي السعيد أولى تتمثل بتحرير فلسطين وانتزاع الأشرار وتمكين الأطهار من أرضها وسمائها ورعاية بيارات البرتقال والليمون بأكف أهلها وسواعدهم وقطف ثمارها فهم أحق الناس بها.

فعندما نقرأ قصيدته (وفي على الروض) فإننا نتلمس حضور الشاعر جلياً واضحاً في الشطر الأخير من البيت الأخير (تجسدت فيه بالتقوى فلسطين) فهو ماثل في كل مفرداتها كما في كل حروفها ككبار شعراء التصوف الإسلامي الذين تحسبهم يتحدثون عن ليلى وخزامى وسواهما لكنهم ينشدون خالق ليلى وخزامى وكل ما في هذا الوجود الذي هندسه بإحكام.

لا يجرؤ المرء على دخول الآفاق المظلمة كيلا يقع في إشكالية عزل الوقائع عن الدلائل والبحث عن بدائل أخرى لإعادة تواترها لأن شاعرنا كالحضارة يتحرك أبداً إلى الأمام كما التاريخ النقي المتسامح يتوجه تلقاء المستقبل كما أنه لا يقترب من الماء الراكد المشحون بالديدان كيلا يطاله الأذى إنه مشحون بالرموز التي تمثلها الأرض التي اقتلعه منها من غزوها في ليل صامت ولكن إذا كان لا بد لليل أن ينجلي حسب القوانين الكونية وحسب امرئ القيس الذي فقد ملكه وأركانه فقد شرع في البحث عن مفردات مهجورة تهيئ له الإمساك بالمفاتيح المهجورة عله يستضيء بها وقوفاً على شواطئ الوطن الذي استرقه الغزاة فضاع شكلاً بشكل مؤقت وهذا ما يستلهم من أعماله الشعرية والنثرية كلها، وهنا يتضح إصراره على شعر الشطرين في (بضع قرنفلات فقط) بعد أن لمس جوهر الإيقاع واهتدى بسمفونياته العذبة بحكم كونه ابناً للحياة كما بحكم خلجاته النفسية بكل تفاصيلها لأنه ابن الوطن الذي ازدحمت فيه الجراح حتى تكسرت النصال على النصال وفق رؤية شاعر الحكمة والبيان أبي الطيب المتنبي لكنه مهووس بحب الوطن ولهذا لا يستعير مفرداته إلا من سموات الحب المقدس وهذا لا يشعر به إلا من تخرجوا من مدرسة الحب الكبير حب الله والإنسان والعالم وهذا ما ألفيته مبعثراً في قصائده كما في قصيدة (بطاقة حب إلى قصيدة) لأن فلسطين هي القصيدة الكبرى في حياته منذ ساعة الميلاد وحتى تجاوز سن الألق العمري المغرق في بحار الثقافة.

إذا كان من العسير على الأشرار معرفة الأخيار، فإنه من الاستحالة بإطلاق على امرئ لا يتقن السباحة مثلي مرافقة الغواصين في البحار بحثاً عن اللؤلؤ والمرجان، وهذا لا يعيبني ولا يسيء إلى شخصي كما لا يعيب ناقداً تربى في أحضان الماركسية أن يتعثر في قراءة (هياكل النور) للسهروردي شهيد النور الإلهي، ثم يقذف الكتاب جانباً لأنه وفق ثقافته غير جدير بالمتابعة، كما لا يسيء إلى شخص غرق في عوالم الفلسفات الوجودية والملحدة أن يقفل كتاب (نصوص الحكم) لابن عربي لأنه غير قابل للفهم. وأنا شخصياً أحاول أن أكون ذلك الذي يتطلع جاهداً إلى الغوص في بحار الشاعر محمود علي السعيد للإمساك بلآلئه وما أمكن من أصدافه المرجانية التي قد لا يراها آخرون .. وهذا لا يعيبهم ولا ينقص من بعدهم الثقافي كما لا ينقص من بعدي المعرفي إذا تعسر علي فهم نظرية اللاحتمية في الطبيعة وعلاقات الارتياب التي كشف النقاب عنها عالم الفيزياء هيزنبرغ والنظرية النسبية لألبرت أينشتاين سيد الفيزياء في العصر الحديث، لكنما يعيبني أكثر مما يجب أن أتحدث بما لا أفهم.

وهذا ما أتلمسه في قصيدته: (زبرجد الروح بالأرقام أحصده) 187ص :

يا ليت طقس الهوى يا هند مجذاف    لقارب العمر في الآفاق طواف

لعــــــله يلتقـــي شـــــــطآن أبحركـــــم         وفوق مرج الندى في الشمس يصطاف

عشقي لظبية تشكيل الربا طبـــق        تعج فيه من الألوان أصناف

لأن الحب عنده ليس كائناً بعينه لأنه ممثل بالأزهار والورود والأوراق والأغصان والجداول والينابيع والأنهار والبحار .. كما أن ريح حبه تأتي دائماً من عوالم النجوم والكواكب والأقمار ..فالحب الكبير لا يحقق حضوره إلا بالتواصل مع الملأ الأعلى .. لكنه على تواصل مع الناس بأفراحهم ولقاءاتهم الدافئة لأنهم يجسدون مشهداً مسرحياً على مستوى التبادل الروحي بإيقاع موزون. وهذا لن يكون باستعادة الأرض التي احتضنته جنيناً ووليداً .. بفلسطين التي ذبحها الذابحون ... والتي تجسد حلمه الكبير بعودتها إلى الوطن الكبير.

أنه يوطننا على أرضية الشاعر الحضاري وذلك من خلال البحث عن مفاتيح مفرداتها المهجورة مستعيداً بذلك مفاتيح اللغة بكل كلماتها المتطلعة إلى الغد الكبير لأنه الباحث عن منبع تاريخ لم يولد بعد، وإنه يستنهض القوى النفسية والجمالية تجاوزاً للقلق وتعبيراً عن ميلاد الحب الكبير الموشح بحصاد العودة. وهذا ما يؤكد مهمته كشاعر متطلع إلى سمفونيات شعرية ملقحة جمالاً وعذوبة ومتوجة بتناغم روحي يستنهض أيام الأمس البعيد ... أيام اليرموك وأجنادين والقادسية ونهوند وحطين .. وذلك لا يكون إلا بتجاوز الطغيان والطغاة الذين يقدمون أنفسهم كما لو كانوا محور الحياة، وهو بذلك ينطلق إلى حاضر يحمل حنين المستقبل الذي يحقق ميلاداً إعجازياً أو قريباً منه بتوظيف كل المعطيات المتاحة لاكتشاف أبجدية العودة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة