الانتفاضة والعقل العربي

العدد: 
15165
سبت, 2017/12/16

الانتفاضة مصطلح يعود إلى المعجمين اللفظي والحضاري العربي الإسلامي والكلمة مشتقة من فعل نفض، مثل نفض الثوب أي حركه ليزول عنه الغبار والكلمة على المستوى الدلالي تشير إلى حركة خلاقة توّلد الجديد من القديم وهي توحي بعدم تجذر هذا الذي سيزول – الغبار الذي يعلو الثوب- أو الاستعمار الصهيوني الذي يحط على أرض فلسطين ويقال أيضاً: نفض الطريق أي طهّره من اللصوص ويقال أيضاً: نفض الكرم أي تفتحت عناقيده.

واستعملت كلمة الانتفاضة لوصف الكثير من معارك الشعب الفلسطيني وخاصة منذ ثورة البراق عام /1929/ ومن بعدها ثورة عام /1936/ وفي كل مرة كانت الانتفاضة تعتمد على التحرك الشعبي لقرى ومدن فلسطينية وتأخذ أساليب متعددة تبدأ من المقاطعة السلبية حتى استعمال الأسلحة النارية.

وقد اكتسبت كلمة الانتفاضة معاني خاصة بها حتى أصبح من الصعب ترجمتها إلى اللغات غير العربية وصار شائعاً استعمال كلمة /Intifadhah/ بالحروف اللاتينية واقترن اسمها بانتفاضة الحجارة والزجاجات الحارقة وانتفاضة الأطفال على الرغم من اشتراك جميع فئات الشعب الفلسطيني من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية وبخاصة النساء فلم يكن من الممكن أبداً اشتراك الفئة العمرية الشابة لتلاميذ المدارس بدون موافقة وتشجيع الآباء والأمهات وكانت الغاية من ذلك هي: الوصول بالقيادة السياسية العسكرية الغاشمة الحاكمة في إسرائيل إلى حال يغدو القمع فيها غير مجد ويصبح الخروج من تلك الحالة مشروطاً بالتسليم بمطالب الانتفاضة التي تمثل حدثاً تاريخياً ومفتاحاً من أهم مفاتيح مستقبل المنطقة ونقلة موضوعية في ميزان القوى وآليات الكفاح ورسائل التعبير.

إذن، الانتفاضة صمود شعب وإرادة فائقة للتحدي ولذلك فإن القوي لم يعد ذلك الذي يملك السلاح والمال فهو ببساطة الشخص الذي يملك القدرة على التضحية وإرادة الصمود فالانتفاضة جعلت الحجارة قادرة على ضرب ترسانة السلاح بعد تجميد قوتها أو شل فاعليتها.

ولعل أهم الأسباب التي حركت الانتفاضة الفلسطينية عملية (سلامة الجليل) التي قامت بها إسرائيل عام /1982/ وما تبعها من مجازر كان ختامها مجزرة القرن العشرين في صبرا وشاتيلا التي أودت بحياة المئات من الرجال والنساء والأطفال وكان من الأسباب المباشرة إقدام أحد الصهاينة المغتصبين يوم الثلاثاء 8/12/1987 على صدم شاحنتين صغيرتين تقلان مجموعة من العمال الفلسطينيين من حاجز (إيرتز) بشاحنة كبيرة كان يقودها، الأمر الذي أدى إلى استشهاد أربعة وجرح تسعة آخرين، إذ كان لهذا العمل الإجرامي وقع الصاعقة في النفوس فتحركت الجماهير الشعبية في موجة غضب عارمة في مخيم جباليا في غزة أولاً ثم ما لبثت أن عمت الانتفاضة كافة أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية وهكذا كان يوم التاسع من كانون الأول يوم البداية للهبّة الشعبية العارمة والعامة وكان من أهم أهداف الانتفاضة العمل على إلغاء قوانين الطوارئ المعمول بها من قبل سلطات الاحتلال وسحب الجيش من المدن والقرى والمخيمات وتحريم إطلاق الرصاص على السكان العزل إضافة إلى إغلاق المعتقلات وإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء الضرائب الجائرة المفروضة على التجار ووقف مصادرة الأراضي وبناء المستعمرات. أيضاً فقد طلبت منظمة التحرير من الجماهير الفلسطينية الصمود وتصعيد المقاومة ضد الاحتلال والقمع الصهيوني وتطبيق مبدأ العصيان المدني تمهيداً للعصيان الشامل وطالبت الدول العربية بتصحيح علاقاتها مع منظمة التحرير وتوفير الحماية بمساعدة الأمم المتحدة ووقف سياسة الطرد والإبعاد.

وبدأت المظاهرات في مخيم جباليا يوم التاسع من كانون الأول عام /1987/ إثر قيام أهالي المخيم بتشييع جنازات الشهداء الأربعة فتصدت لها القوات الصهيونية وأطلقت عليهم النيران فسقط شهيدان وستة وعشرون جريحاً بينهم أطفال وامتدت الشرارة الجماهيرية إلى مخيمات الشاطئ والبريج والنصيرات وأخذت تهتف للجهاد. وأكد هذا أنه لا يمكن للحق العربي أن يموت ما دام هناك شعب صامد يؤمن بعروبته ولا يساوم على حقوقه مهما طال الزمن وكثر المتخاذلون والانهزاميون فأعاد القضية الفلسطينية إلى أولويات المشاكل العالمية وأثبت وجود الشعب الفلسطيني الذي حاول الصهاينة إنكار وجوده وحفر أبطال الحجارة بحجارتهم وتضحياتهم ولأول مرة في تاريخ النضال العالمي كلمة الانتفاضة في كافة المعاجم واللغات العالمية.

وبعد هذه الإطلالة في رحاب الانتفاضة المباركة وبينما تشهد الأراضي العربية المحتلة اندلاع انتفاضات جديدة رداً على المشاريع الاستيطانية وبالرغم من اتفاقية أوسلو وما تبعها إلا أنها تركت بصمات واضحة في صفحات تاريخ النضال الوطني الفلسطيني وحضرت آثارها في وجدان الشعب وتجذرت عميقاً في ذاكرة الأمة التي لن تمحى حتى تتحرر الأرض.

ولكن لماذا لا نتوسع في مفهوم الانتفاضة ونسأل أنفسنا: لماذا اضطر شعبنا الأعزل إلى مثل هذا النوع من المقاومة مع أن هذا الشعب ينتمي إلى أمة عربية وإسلامية تعد بمئات الملايين ولديها جيوش وترسانة عسكرية قادرة على حماية هذا الشعب بل وقادرة على محو هذا السرطان الذي يسمى إسرائيل؟!

لماذا رضيت مئات الملايين تلك وجيوشها الجرارة أن تموت الطفولة في مهدها بدلاً من الجيوش ودون أي خسارة؟! ولماذا لم يرد العالم العربي والإسلامي على ما يحصل في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ولو بإغارة للدفاع عن هؤلاء الأطفال؟! ولماذا سمحنا لهؤلاء الأغراب وشذاذ الآفاق بالوصول إلينا والتحكم بمصائرنا؟!

وهنا يحضرني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر عودته من إحدى الغزوات حيث قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ألا وهو جهاد النفس وكبحها عن شهواتها والعمل على استقامتها.

ألا ترون معي أن انتفاضة أخرى يجب أن تبدأ وتكون بدايتها انطلاقاً من أنفسنا عسى أن ننفض ما علق بها من أدران؟! تعالوا نشخص أسقامنا إن كنا نريد بناء غدٍ أفضل، تعالوا نتدارس التاريخ وننظر إلى أبعد الآفاق ونأخذ الحكمة من تاريخ الشعوب الأخرى.

ألم نسأل أنفسنا: لماذا انسحبت القوات الأمريكية من اليابان بعد أن احتلتها وضربتها بقنبلتين ذريتين في هيروشيما وناغازاكي؟!

ولماذا انسحبت قوات الحلفاء من ألمانيا بعد احتلالها وتكبدها الكثير من الخسائر لاحتلالها؟! ولماذا انسحبت القوات الإنكليزية والفرنسية وباقي الجيوش الأخرى من تركيا؟!

لقد انسحبت أمريكا وقواعدها العسكرية من فيتنام وصار الاحتلال العسكري للشعوب ذكرى من ذكريات الماضي والعصور الوسطى بينما نرى الإسرائيليين قابعين فوق صدورنا منذ ثمانين عاماً يتحكمون بمصائرنا ويثيرون الفتن بيننا ويكيلون لنا المصيبة تلو الأخرى.

ألسنا بحاجة إلى انتفاضة جديدة نظهر فيها الوجه المثالي والمشرق للإنسان العربي والمسلم؟! إن محبتي لأخي هي التي تقرّب هزيمتهم وتجعلهم يحملون حقائبهم ليعودوا من حيث أتوا وإن صدقي في تعاملي مع الآخرين من أبناء وطني هو الذي يقرب نهايتهم لأنهم سيدركون أننا أمة لا يمكن أن تستعمر أو تهان.

وقد تحدث الشاعر نزار قباني عن ذلك قائلاً: دخلوا من عيوبنا ولم يدخلوا من حدودنا لذا كان لزاماً علينا اليوم العمل لإصلاح أنفسنا من ترسبات وغبار الأيام الماضية عندها سيدركون أننا أمة حرة ولا شك في أنهم سيرحلون وسيخربون بيوتهم بأيديهم وهذا وعد من الله إن كنا مؤمنين ومن أصدق من الله قيلا؟! فلنعمل لإصلاح أنفسنا فقد يرحلون بلا حروب حين يرون أننا أمة ذات قيم وأخلاق لا يمكن احتلالها كما أدرك المحتلون في ألمانيا واليابان وفيتنام أن تلك الشعوب لا يمكن أن تُحتل.

تلك هي الانتفاضة التي يجب أن نسعى إليها وتلك الانتفاضة الحقيقية التي تجعل الأعداء يخافوننا وما زلت أذكر لقاء أجري مع أسير فلسطيني لدى قوات الاحتلال فكان يقول: كان السجان يحرص على لقائه بين فترة وأخرى وكان من خلال حديثه يحاول تدمير ما به من أنفة وشموخ بل كان همه أن يزرع فيه نقيصة من النقائص الدنيئة كأن يجعله مخبراً على زملائه المساجين مقابل مبالغ مالية وحين يعجز عن ذلك كان يحاول الإيقاع بينه وبين زملائه ليجعله كارهاً لكل من حوله ويقول: إنه كان يصر على جعلي كارهاً لزملائي وأهلي ووطني إذ إن الحرب بالنسبة إليه ليست حرب نفوس وجنود وسلاح بقدر ما هي حرب أخلاق وقيم كان يحاول نزعها مني.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي