الشاعر السعيد من ترشيحا إلى الشمال

العدد: 
15166
أحد, 2017/12/17

أن تكتب عن شاعر مميز .. فذلك إشكال، لكنما الأكثر إشكالاً أن تكتب عن شاعر احتل مكانه في القلب منذ أمد بعيد لتميزه أدبياً واستمساكه بلوائح القيم.

والشاعر محمود علي السعيد تربطني به صداقة متينة منذ حوالي 50 عاماً، يوم كنا نتهامس تارة ونرفع أصواتنا تارة أخرى في هذا المقهى أو ذاك أو يجمعنا لقاء دافئ في مكتبي في مقر الجريدة عبر حوارات يتناوبها الوئام وتنأى عن الخصام بخصوص المشهد الثقافي في المدينة البيضاء يوماً وحول المشهد الثقافي سورياً وعربياً يوماً آخر. لكننا في معظم الأوقات نميل إلى التفاهم والانسجام، ولكن هناك مشاهد كانت تتكرر أسبوعياً على المنصة الرحبة التي كنا نتحلق حولها في مقهى الموعد .. إنها المنصة الخاصة بالشاعر الراحل محمد هلال فخرو الذي رفع تحية الوداع للحياة الدنيا في 8/8/2017 أغدق الله عليه العفو وأبدل سيئاته حسنات، وكنا نسمع إلى ما فاضت به قريحة السعيد من القصائد التي كانت تشهد ميلاداً متجدداً وكان الوفي هيثم الراشد الذي يلازمنا في كل الصباحات الباردة والدافئة والدكتور أحمد علوش الذي كان يسعى إلى فهم القرآن على ضوء الهندسة الحرارية التي يتقنها كإتقانه القيم السامية والأديب الشاعر محمود أسد والشاعر الصوفي جلال قضيماتي وكبير الأطباء كما أطلق عليه د. عبد الغني الراشد وأبو المعالي مرتضى دحدوح والأخ عمار بكداش والشاعر والمترجم الراحل نهاد رضا.

كنا نستمع للشاعر محمود علي السعيد الذي تعيدنا قصائده إلى أحلامنا ورؤانا المؤقتة والبعيدة .. ولم يكن شاعرنا ضعيف البصر لترتطم سفينته بالشاطئ بل كان كبصيرته النفاذة إلى ما حولها وإلى ما هو غائب عنها في ظلال الماضي .. وتلتهب أكفنا بالتصفيق وتنطلق ألسنتنا بالتقييم لما سمعناه، نختلف ونتفق ونتعمق لكنما كان الإعجاب يضفي على الحوار معاني كثيرة.

رحل محمد هلال فخرو الذي يتقن أبجديات التواضع والوفاء كما يتقن لوائح القيم الدينية والأخلاقية .. وكما تجري الأنهار تجري الأعمار .. فمن لنا بمن يتقن كل الأبجديات المميزة التي لا يتقنها في هذا الزمان إلا أولو العزم .. وقليل هم؟!

وعذراً مؤقتاً للشعر، لأنني أول ما أصغيت في حياتي إلى قصة قصيرة جداً وأول ما قرأت قصة قصيرة جداً كانت بيراع محمود علي السعيد وهذا ما يجعلني أقول وبمزيد من الحسم والتأكيد: إنه رائدها فلسطينياً وعربياً وفق مصطلحه.. أما وفق مصطلحي النابع من العمق التاريخي فأقول: إنه رائد مصطلح القصة القصيرة جداً سورياً وعربياً لأنني لست مع معاهدة سايكس بيكو النكراء وإنما مع التاريخ الذي يقرر بأن ما يسمى فلسطين ما هو إلا الجزء الجنوبي لسورية كما أن حلب وما بعدها وأضنة ومرسين ضمناً بمثابة الجزء الشمالي لسورية وقد وفق في أنه أرسى معظم قواعد القصة القصيرة جداً بجملة من الدراسات التنظيرية التي أخذت طريقها على صفحات عدد من الدوريات العربية المتخصصة كمجلة المعرفة والموقف الأدبي وكتابات معاصرة والهدف والحرية وغيرها حتى اعترفت باعتلائه منصة الريادة كوكبة من الأقلام النقدية أمثال: المغربي الدكتور جميل حمداوي رئيس رابطة القصة القصيرة جداً في الوطن العربي والدكتور نعيم اليافي رحمه الله والدكتور مسلك ميمون من المغرب العربي والدكتور سعد العتابي من بلاد الرافدين والدكتور نمر روحي الفيصل من سورية وغير هؤلاء الكثير.

وقد أغنى الشاعر السعيد المكتبة العربية بعشر مجموعات من القصص القصيرة جداً: الرصاصة – المدفأة – المنقل – القصبة – المحاولة – الشكل – بطاقة رقم 5 - إلى فراشة – ومن قيس إلى ليلى، علماً أن أول قصة في هذا المضمار قصة الفدائي في منتصف ستينيات القرن العشرين.

وأذكر فيما أذكر أنه سبق لي أن سطرت زاوية صحفية منذ فترة واعتبرته أول من خطت يراعه القصة القصيرة جداً ونشرت في صفحات جريدة الجماهير ولا تكمن الأهمية في البدايات الأولى أو البراعم الندية للقصة القصيرة جداً بقدر ما تتمركز على أرضية الأهداف التي تطلعت إليها منذ بداياتها الأولى وصولاً إلى ما حققته على الصعيد القومي والاجتماعي .. محمود علي السعيد لم يكن كاتباً فحسب بل كان جندياً أيضاً ومقاتلاً بالكلمة المعذبة والمحكية للصهيونية العالمية التي تعذبنا وتقتلنا وتنتهك حرماتنا كما سبق لها أن قسمت وطننا وجزأت ديننا الإسلامي الحنيف إلى طوائف وشيع ما أنزل الله بها من سلطان، فكانت أول مجموعة له تحمل اسمها كما يجب أن يكون: الرصاصة .. ومن قدر له قراءتها سيجدها رصاصة مسمومة في صدور الأعداء.

ليس هذا فحسب فشاعرنا طويل الباع في الدراسات الجمالية والنقدية على صعيد الفن التشكيلي وقد امتاز بأسلوب يحتضن خصوصية متفردة وفق مصطلحات نقدية أظنه اختص بها مما أهله إلى إغناء قاموس النقد التشكيلي بمصطلحات ومفردات حققت حضورها مع ثمانينيات القرن العشرين كما اكتسبت رواجاً في الساحة النقدية للفنون التشكيلية وأظنه تناول بالدراسات ما يربو عن مئة فنان تشكيلي في معظم الجغرافيات العربية.

ألم أعترف من البداية بصعوبة الكتابة عن شاعر مميز ومهم قدم أكثر من عشر مجموعات شعرية وقدم بعدها مجموعات من القصة القصيرة جداً؟! ومع هذا حاول من حاول الاصطياد في المياه العكرة حيناً وفي المياه غير الصافية أحياناً أخرى، لكنما الأديب محمود علي السعيد يبقى نقياً بكل توهجه، صديقاً يزين صديقه لأنه ابن ترشيحا الجليل الغربي ميلاداً وفي سورية السياسية حياة حتى يومنا هذا كما يبقى الماء الزلال موطن النقاء والصفاء وكما الحضارة تتوجه أبداً إلى الأمام لأنها تنشد ما تتوجه إليه وهكذا فإن شاعرنا متوجه أبداً تلقاء الفضيلة.

قدم السعيد المجموعات الشعرية التالية:

1-    افتراضات مضيئة على خارطة الوطن.

2-    شمس جديدة في ترشيحا.

3-    سلاماً أيتها الزرقة المسلحة بالبحر.

4-    خلاص البساتين أن تنهض الأرض.

5-    في الريح تجسدت الصيحة قنبلة.

6-    بالرصاص يوقع العشاق وصاياهم.

7-    لي من الحقل العصافير.

8-    افتحوا شفة المسدس.

9-    الريح حريتي من يمنع المرور.

10-  نداء الجسد أنين الروح.

11-  بضع قرنفلات فقط.

وقيد الطبع:

1-    القصة القصيرة جداً: تجليات قوس قزح – دراسة.

2-    جمرة الروح – قصص قصيرة جداً.

3-    قصيدة الفن التشكيلي – دراسة نقدية.

4-    رصاصة في نسيج الجسد – شعر.

وهو يشغل مهام كثيرة منها رئيس فرع حلب للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ورئيس تحرير مجلة المقاومة بحلب ورئيس اللجنة الثقافية للنادي العربي الفلسطيني إلى آخر ما هنالك.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة