العناق السرمدي بين المسيحية والإسلام

العدد: 
15173
أحد, 2017/12/24

تغمر الفرحة الكبرى في هذه الأيام أتباع السيد المسيح عليه السلام احتفالاً بالذكرى السابعة عشر بعد الألفين لميلاده المجيد كما غمرت أتباع الرسول الخاتم بذكرى هجرته التاسعة والثلاثين بعد الألف بالأمس القريب .

ولطالما تساءلت كما يتساءل المتسائلون: لم لا يتعانق مسيحيو الأرض ومسلموها عناق عيسى ومحمد في الملأ الأعلى منذ الأزل وإلى أبد الآبدين ؟!

وهذا التساؤل الاستنكاري يفرض نفسه علينا جميعاً بحكم الانسجام المطلق لكل لوائح القيم الدينية والأخلاقية التي فعلاها لأتباعها نظرياً وعملياً كما يحكم توصية السيد المسيح بمجيء رسول من بعده لإتمام المهمة وإكمالها من بعده على الوجه المطلوب لأنهما أخوان متواصلان في أداء الأمانة الكبرى .

وهذا التساؤل يحتل توهجاً وامتداداً محورياً في الزمان والمكان. وبما أن الإنسان المؤمن يحقق تزاوجاً روحياً متعالياً مع اللحظات الحاسمة في حركة التاريخ فقد كان لابد من التوقف توقفاً تأملياً وإبحاراً في عوالم الصفاء الأزلي والإيقاع الروحي الذي يهيمن على الوجود. ولهذا كثيراً ما أقرر الصمت للاغتسال في ينابيع التفجر الروحي والإخلاد إلى منطق الاستسلام في رحاب الملأ الأعلى وها أنتم وإياي في هذا الوجود الذي تخيم عليه ذكرى ميلاد رسول الحب والسلام المتطلع عبر رسالته، باعتبارها الحلقة ما قبل الأخيرة لسلسلة الرسالات السماوية، لتطهير الأرض من أدران الطغيان والفساد وإنهاء المجازر والحروب التي أججها شياطين الأنس بمهارات مذهلة لإيقاف التوهج الذي حمله رسل السماء إلى أبناء هذا الكوكب السابح في الفضاء .

فماذا نحن فاعلون في هذه اللحظات الفذة في عمق الزمان ؟!

أن نهنئ العالم بذكرى ميلاد رسول الحب والسلام ذلك أمر بديهي لكنما علينا تفعيل التهاني بممارستها عملياً في كل بقاع الأرض بحكم كون إنسان العصر يعاني من تأزمات وإشكالات مرعبة لم تطاله إلا مع إطلالة القرن الواحد والعشرين. ولعل أهمها التفجير الحاد لصراع الحضارات بديلاً وحشياً عن حوار الحضارات الذي أسس بنيانه عيسى بن مريم ورفع صروحه الثابتة محمد صلوات الله عليهما إلى يوم يقوم الأشهاد. وإذا كان حاملو رسالة محمد لا حول لهم ولا طول الآن فإن حملة رسالة المسيح مثلهم كمثل الطاووس يحمل جماله الأخاذ لكنه لا يمنح من جماله للآخر إلا الرؤية ومعها أطنان من التآمر والتهالك على الحرب والدمار. بينما كان السيد المسيح يحمل رحيق الحياة فيبثها في من يشاء ليحول الموت إلى حياة بإذن الله. وهذا ما يذكرنا بنفخة جبريل في من اصطفاها رب العزة وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين ليتمثل ابنها العظيم بشراً سوياً وهذا ما جعله مسلحاً بمعجزات كبرى لم تتحقق لرسول قبله ولا بعده بدءاً من شفاء الأكمه والأبرص وصولاً إلى إحياء الموتى حيثما يشاء. ومما يروى أنه شاهد ذات يوم امرأة تبكي على قبر فقيدة لها فسألها: لم تبكين يا امرأة؟ فأجابت: ماتت ابنة لم يكن من ولد سواها وقد عاهدت ربي أن لا أبرح مكاني هذا حتى أذوق الموت كما ذاقته أو يحييها لي فأراها بعيني. فقال لها: أرأيت إن نظرت إليها أراجعة إلى دارك؟ فقالت: نعم فصلى عليه السلام ثم جلس عند قبرها منادياً باسمها: قومي بإذن الرحمن فأخرجي. فتململ القبر ثم نادى ثانية: فانصدع القبر وما إن نادى ثالثة حتى خرجت من قبرها وهي تنفض عنها الأتربة وخاطبت أمها أن لا شأن لي بالحياة الدنيا وقالت: يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة. فتم لها ما أرادت ليس هذا فحسب بل أحيا الكثير كما خلق من الطين طيراً بإذن الله كما تؤكد الآية التاسعة والأربعين من سورة آل عمران والآية العاشرة بعد المائة من سورة المائدة كما كان يعلم ما يدّخر الآخرون وما يأكلون .

هذه بعض خصوصيات رسول الحب والسلام في حين اختص رب العباد رسول الخاتم ليكون معلماً ومتمماً لمكارم الأخلاق كما وصفه في سورة القلم: (وإنك لعلى خلق عظيم) وبذلك تم إكمال الدين الإلهي حتى قيام الساعة ولهذا ورد ذكر السيد المسيح عليه السلام في القرآن الذي أنزل على الرسول الكريم في ثلاث وثلاثين موضعاً في سورة /البقرة - آل عمران – النساء – المائدة – الأنعام- التوبة- الأحزاب – الشورى- الزخرف – الحديد- الصف/ كما تضمن القرآن تسعة نصوص تتحدث عن السيد المسيح ورسالته وترد على الزاعمين غير الحقيقة وكل نص مكون من ثلاث وثلاثين حرفاً في السور التالية: النساء – المائدة – الأنعام – الكهف – مريم – الزخرف. وإذا كان السيد المسيح عليه السلام قد عاش ثلاث وثلاثين عاماً فإن التوافق بين سني حياته وبين الآيات المشار إليها يستحق التأمل. وبإمكانكم مراجعة النصوص التسعة التي ذكر فيها عليه السلام في السور الآنفة الذكر .

وهذا ما يؤكد حتمية العناق الأبدي منذ الأزل بين المسيحية والإسلام حيث جنحت المسيحية في رحاب الحب الكبير لله والإنسان والعالم وجنح بها القرآن ومن أنزل عليه بمزيد من التركيز على لوائح القيم مما يدعو كل ذا عقل سديد إلى الإقرار بالعناق السرمدي بين المسيحية والإسلام. وهنا فضاء لم يطاله عبر التاريخ إلا أقل من القليل إن لم أقل من كان يحتضنه استثناء من الملأ العلى ومن هذا الاستثناء الباحث والمفكر البريطاني لايت نوردو القائل: (إني لأجهر برجائي بمجيء اليوم الذي يحترم فيه النصارى المسيح احتراماً عظيماً باحترامهم محمداً ولاريب أن المسيحية المعترفة برسالة محمد وبالحق الذي جاء به هي المسيحية الصادقة) .

ومن هذا الاستثناء في الجغرافيات العربية المفكر السوري أنطون سعادة في كتابه (الإسلام في رسالتيه) .

ويكفي تأكيداً على الأخوة السامية بين محمد والمسيح عليهما السلام قول الكاتب الإنكليزي جورج ديكز (محمد أعظم من أقام دولة التسامح والعدل) محققاً ما كان يتطلع إليه عيسى بن مريم لتفعيل لوائح القيم الدينية والأخلاقية في قريتنا الصغيرة الأرض .

ألا هل بلّغت ؟!!

فأسمحوا لي في نهاية المطاف أن أزف كل التهاني وأرفعها إلى كل المؤمنين بالسيد المسيح ومحمد صلوات الله عليهما. فكلمة الله حملته البتول مريم العذراء وخاتم المرسلين كانت ابنته فاطمة الزهراء أم أبيها. هذا الرباعي المقدس من قبل ومن بعد أنحني لهم إكباراً واجلالاً وتعظيماً ما دمت حياً راجياً أن يحشرني ذو الجلال والإكرام في رحابهم في الفردوس الأعلى.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة