علاقة صانعي القرار مع مراكز التفكير

العدد: 
15176
أربعاء, 2017/12/27

واقع العلاقة في سورية بين النخب الفكرية وصانعي قرارات مؤسسات الدولة ليست على ما يرام بل لا نبالغ إذا قلنا إنها علاقة وصلت حد القطيعة حيث أن التجربة أثبتت أنه في الكثير من الأحيان تتخذ القرارات والإجراءات بطابعها العام أي إنها آنية لحظية لا ترتكز على أساس فكري عميق وتتباين مع تباين الظروف والوقائع فهي أساساً غير مبنية على تقارير ومؤشرات مراكز الأبحاث والدراسات لجانب أو مجموعة جوانب الحياة العامة للمجتمع واستمراريتها.

وفي التصنيف العالمي ومنها تصنيف المنظمة العالمية للفلكية الفكرية (الويبو) تتبوأ الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول عالمياً لجهة الإنفاق على مراكز البحوث والتطوير تليها الصين والاتحاد الأوروبي وكذلك لجهة الاعتماد على التقارير والمؤشرات والدراسات التي تخرج بها مراكز الأبحاث في عملية اتخاذ القرارات ورسم السياسات الداخلية والخارجية.

ومما قبل في روائع الأدب السياسي (إن الشعوب التي تفشل في تشخيص أمراضها بشجاعة تموت نتيجة تناول الدواء الخطأ) فمن هذه المقاربة الموضوعية يتوجب إعادة تغيير وبناء العلاقة الصحيحة بين مراكز اتخاذ القرار ومراكز البحث والتفكير.

 فبعد تجربة الحرب الإرهابية التي ضربت سورية الوطن والإنسان وهددتها بالوجود والهوية، فإن الأولوية السورية في هذه المرحلة تتجسد في إعادة بناء الدولة كدولة قوانين ومؤسسات يتعزز فيها الانتماء الوجودي الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والأمان على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.

إن هذا الإحياء لمشروع الدولة القوية المتماسكة، وبث الروح في جسد الحياة الوطنية الشاملة يتطلب بالضرورة علاقة سليمة ومباشرة بين الرواد في الفكر والمعرفة والبحث العلمي مع المكلفين بتسيير قطاعات ومؤسسات وعلاقات الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي، والميزة الأكبر في التلاقي والانسجام والتناغم بين الفكر والتنفيذ في حركة التطور والنمو والتغيير، كون هذا التفكير لا يرتهن للسكون بل لانسيابية الحركة وصخبها، هذه الحركة التي تنشط الخيال وتطلقه في فضاء الفكر والأفق المفتوح.

هذه الثنائية تماثل في التشبيه التركيب الإلهي لذات الإنسان، فإذا كانت أفعال الفرد مصدرها الغريزة والعاطفة والانفعالات نصل بشكل من الأشكال إلى اللا جدوى أما إذا استقت هذه الأفعال مصادرها من التخطيط العقلي والتنظيم فإننا نصل إلى نتائج مجدية وذات قيمة ومعنى.

ومن المؤكد أن تشارك وتكامل دور مراكز الدراسات والبحوث مع دور صانعي القرار في السياسات العامة للدولة يعزز الوعي بأهمية احتراف الفكر النقدي الإبداعي الخلاق الذي يعني من حيث المفهوم (تلك العملية العقلية النشطة والمتقنة لاتخاذ القرار عن طريق التحليل والتركيب والاستنتاج، وهو وليد المنطق اللا صوري الذي ليس شرطه أن تكون منتقداً بقدر ما تكون مستنتجاً ومستعداً للمراجعة والتراجع لتحقيق صيرورة الحياة).

مما لا شك فيه أن المجتمعات تقاس بمستوى الأفكار التي تقدمها والإنجازات التي تخرج بها .. ومن هذا المعطى يمكن اختزال ما تقدم بالآتي:

1ـ إن مراكز التفكير والبحوث لها القدرة على توفير الأرضية المناسبة والضرورية لنقل حصيلة العلم والدراسة من حيز الفكر والمعرفة إلى حيز الواقع والتطبيق.

2ـ في سورية يتوجب التعامل مع مراكز التفكير بدرجة عالية من المسؤولية لا سيما في ظل وجود عدد من الجامعات السورية العريقة.

3ـ لا يمكن لمراكز القرار أن تصل إلى قرارات صائبة إلا إذا اعتمدت على مراكز التفكير.

4ـ تعامل المؤسسات السلبي مع مراكز التفكير سيجعل من تلك المؤسسات بعيدة عن المنهجية والمواقف الاستراتيجية. 

إذن، البحث والتطوير هما العنصران الأساسيان في الحفاظ على النمو والإنتاجية المطلوبة لتلبية الحاجات المتزايدة للفرد وللمجتمع بأكمله.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أيهم ناعسة