احذر فإنك مراقب .. لأني أحبك وأحب فكرك

العدد: 
15183
أربعاء, 2018/01/03

أتساءل ويتساءل المتسائلون المتطلعون إلى الحقيقة والمستمسكون بأهداب الحيادية الممكنة في الجغرافيات النامية والمتخلفة وخاصة في أرجاء الكيانات العربية والإسلامية.

ما هي تخوم الحرية المسموح بها من قبل الغرب السياسي ومن يعسكرون في خنادقه ؟!

وما هي مساحات حرية القول والتعبير التي رسمها الغرب السياسي وأعوانه في العصر الحديث وعلى التخصيص في العقدين الأول والثاني من القرن الواحد والعشرين؟!

وبالتالي ماهي الحدود المتاحة للمفكر والأديب والفنان ومن هم في هذه الفضاءات للإدلاء بآرائهم على اختلاف توجهاتها في مستهل القرن الحالي وإلى يومنا هذا؟

وما هي واحات الحرية التي يتاح للإنسان السوري خاصة والعربي عامة الاستحمام فيها بعيداً عن كل رقيب عتيد؟

هكذا أسمح ليراعي أن يخط للسادة القراء بلا استئذان من الغرب السياسي ومن يمخرون معه أو تحت وصايته في بحر الظلمات الذي رسمه للبشرية من خلال عقدة التفوق الغربي التي سيطرت على مساراته وتوجهاته كلاً وتفصيلاً.

فمنذ اللحظة التي قرأت فيها التعليق التالي للدكتور علاء زعبي (احذر فإنك مراقب .. لأنني أحبك وأحب فكرك) وجاءت العبارة الآنفة الذكر في التعليق التاسع والعشرين على منشوري (كتاب مفتوح .. فلم أراقب) بتاريخ 8/12/2017.

وأتساءل وقد تتساءلون معي لماذا أنا مراقب؟! تاريخي الشخصي كتاب مفتوح ألخصه لكم بكل بساطة: في عام 1965 تم تعييني محرراً في جريدة الثورة وبعد عام تم ندبي إن لم تخني الذاكرة إلى مجلة الطليعة التي كانت تصدر عن القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ومارست عملي فيها كمحرر ثقافي إضافة إلى العمل في قسم التحقيقات وسطرت ملحقاً للمجلة عن آبار النفط وسد الفرات الذي لم يكن قد رأى النور بعد وفي نهاية عام 1967 طلبت نقلي إلى حلب للعمل في جريدة الجماهير بهدف إتمام دراستي فنلت الشهادة الثانوية وسجلت بعدها في جامعة دمشق بكلية الآداب قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية وتخرجت في الدورة الاستثنائية لعام 1973 وفي هذه الفترة تم نقلي إلى التلفزيون العربي السوري في قسم النصوص وعدت بعدها إلى حلب كرئيس لقسم النصوص في إذاعة حلب ثم عدت للعمل في جريدة الجماهير في المجالات الأدبية والثقافية إضافة إلى ممارسة التحقيقات ولاحقاً تمت تسميتي أميناً للتحرير في مرحلتين، وبعد بلوغي الستين تم تمديد خدماتي إلى أن تم تسريحي في مستهل عام 2003 وبذلك تكون خدماتي أكثر من 37 عاماً في وزارة الإعلام، وأنا الآن مع كتبي وأفكاري لأنني لم ألتحق بأي حزب طوال حياتي بكل توجهاتها السياسية والدينية والاجتماعية وكنت صديقاً لكبار رجالات الدولة وأذكر منهم اللواء علي حيدر والمرحوم أحمد إسكندر أحمد وزير الإعلام وسواهما، وبالطبع كنت صديقاً لرجالات الفكر والأدب، وحتى الآن لا أمتلك موقفاً سياسياً سوى .. سوريتي التي أصر عليها وعروبتي وإسلامي الحضاري الذي أستمسك به.

وها أنذا أعيش على راتبي التقاعدي بمزيد من الكفاف وبدأت معاناتي في السمع والبصر جرّاء الفتنة الهوجاء التي سعرها وهندسها الإرهاب العالمي ممثلاً بالغرب السياسي وأقرانه، إضافة إلى أنني بلغت السابعة والسبعين من العمر وفق حسابات والدتي رحمها الله والمرحوم والدي الذي لم يحتضنه حزب أو جماعة على الإطلاق.

فاسمحوا لي بتكرار التساؤل الاستنكاري: لماذا أنا مراقب؟! 

وكما سبق أن أوضحت فإن علاقتي مع السلطة السياسية إن لم تكن دافئة فهي حيادية على أقل التقديرات.

إذن أنا مراقب عالمياً .. لماذا .. لأنني أؤمن بالإسلام الحضاري ديناً بعيداً عن الطائفية والعنصرية توجهاً تلقاء الإنسانية بقاراتها الخمس؟! أم لأنني أؤمن بسورية الطبيعية التي احتضنت الحضارات وسرقها الإغريق والرومان والملحقون بهم؟! أم لأنني أقول بمزيد من الحسم إن القرآن كتاب الله المقروء كما أن الكون كتابه المخلوق؟!

أم لعروبتي التي أنطق بها وأكتب بمفرداتها؟!

يزعم الغرب السياسي وأعوانه أنه حضاري متسامح .. لكنه يتناسى أن التسامح يبدأ بقبول الآخر عبوراً إلى تحويل العنف إلى حوار .. وإذا كانت العقيدة في حال الإيمان والعلم مجال الاحتمال، فإن الموقف الأخلاقي مجاله الإرادة والاختيار وصولاً إلى القرار الذاتي الملزم لنفسه. والغرب يعرف ذلك جيداً ومنهم/ فلاسفته الأخلاقيون/ .. إلا أن الغرب السياسي عصي عليه الامتثال للموقف الأخلاقي بالمطلق ... فلاسفة الغرب الأخلاقيون وعلماؤه الباحثون في لوائح القيم والذين أحبهم وأحترم معظم آرائهم يؤكدون أن التسامح درب يسر لبني الإنسان، بينما اللا تسامح درب عسر لهم وسد منيع في طريق الصعود القيمي وحائل بينهم وبين السماء ... ومع ذلك يصر الغرب السياسي على اللا تسامح مثله في ذلك مثل من اتخذ إلهه هواه ...

أنا مراقب .. حسناً، وهذا ما ساقني إلى التعليق على خطاب الدكتور علاء الصديق والأخ الكريم وأكرر .. أشكر من يراقبونني بحب لأنهم يبادلونني ما أكنه لهم في القلب وأحزن على الآخرين لأنهم يتعاملون بما لديهم، وأعتقد أننا متفقان على ضرورة بل حتمية تجديد الفكر الإسلامي ليغدو قادراً على التواصل مع القمم العلمية شرقاً وغرباً على الأصعدة العلمية والاجتماعية والأدبية ليحقق إسهاماً فاعلاً في هندسة المستقبل لنفسه وللبشرية جمعاء بدءاً من الاعتراف بالآخر وبكل حقوقه التي ضمنتها قولاً الأمم المتحدة وصولاً إلى ضمانتها قولاً وفعلاً في قريتنا الصغيرة الأرض.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة