حلب القديمة ... علبة الأرابيسك

العدد: 
15186
سبت, 2018/01/06

تعد حلب القديمة بأهميتها الأثرية إرثاً حضارياً لا يقدر بثمن، ومن أهم أوابدها القلعة الشهيرة ذات الشكل الدائري التي تتوسط المدينة القديمة.

تعود قلعة حلب إلى الألف الثالث قبل الميلاد وقد أعاد نور الدين الزنكي تجديدها وتعد أكبر وأقدم قلعة في العالم.

تحيط بالقلعة من ناحية واجهتها الأمامية مجموعة من المقاهي الجميلة ذات الطراز الحديث وخان الشونة وهو سوق أثري مسقوف كان قبل الحرب مخصصاً لبيع البضائع اليدوية الصنع أو ذات الصبغة التراثية، يحاذيه فندق الكارلتون الذي كان مصنفاً بأربع نجوم فأمسى أثراً بعد عين بعد التفجير الإرهابي للنفق الذي يمر تحته.

كما تحيط بالقلعة بعض الأبنية الأثرية التي كانت مقرات حكومية مثل: القصر العدلي والطبابة الشرعية وقد تأثرت بالتفجير ذاته، ونجد أيضاً حمام يلبغا الأثري وهو متضرر بنسبة أقل من سواه.

تحتل حلب القديمة مساحة 335 هكتاراً للمنازل و12 هكتاراً للأسواق وهي أحياء ذات طراز قديم بالمجمل فمعظم منازلها تعود إلى العصر العثماني، وبعض مرافقها ومنازلها تعود إلى العصر المملوكي مثل جامع باب الأحمر وجامع الجابكي وجامع أوغلبك وبيمارستان أرغون الكاملي.

وقلما تجد هناك أبنية ذات طابع حديث فتجد الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة ذات الأبواب الخارجية المتشابهة، ولكن الاختلافات تبدو جلياً حالما تفتح الأبواب، فحين تدلف يطالعك طراز معماري فريد، حيث تتحلق الغرف حول باحة الدار التي غالباً تتوسطها بركة ماء، كما تتوزع بضعة أشجار في أرض الدار وتتنوع بين النارنج والليمون والكباد، وتختلف مساحات تلك المنازل من الداخل فمنها ما يكون بمساحات كبيرة وعدد كبير من الغرف ومنها ما يكون بمساحات متواضعة وعدد قليل من الغرف، وتطل المنازل على الأزقة الخارجية إما بنوافذ صغيرة أو بصندوق خشبي جميل فيه نوافذ خشبية صغيرة، كما تتميز تلك الأزقة بقناطرها الحجرية.

وحين تصعد إلى أسطح تلك البيوت الجميلة تطالعك قلعة حلب بكل بهاء.

لم يكن عبثاً إدراج حلب القديمة على لائحة التراث العالمي من قبل اليونسكو عام 1986م، فهي متحف حقيقي مليء بالأوابد الأثرية يحكي قصة حضارة تمتد إلى ألف عام ولم يشوه رغم مرور الزمن.

وقد حالفني الحظ في أنني تعرفت عن كثب على العديد من أحياء حلب القديمة أثناء عملي هناك كمهندسة مدنية لإحصاء الأضرار في المنازل والمرافق بعد خروج الجماعات المسلحة منها.

أفرحتني عودة الحياة إلى حلب القديمة على الرغم من الصعوبات الجمة التي تواجه الأهالي في حياتهم اليومية ليدحضوا كل الشائعات عن كون حلب القديمة مهدمة بالكامل وخالية من السكان.

ففي حي الفرافرة شعرت أنني أشم عبق التاريخ وكأنني في مطلع القرن العشرين، لولا بعض المظاهر الحديثة كالمصابيح الكهربائية ذات الطراز الشرقي والمظلات الملونة والأجراس الكهربائية (الأنترفون).

رصدنا عودة قسم لا بأس به من الأهالي ورأينا تمديدات وقواطع الأمبيرات في الحي (الكهرباء البديلة من مولد خاص في الحي)، وقد استقبلنا الأهالي بالكثير من الحفاوة والترحاب فكنا من أوائل الوفود الحكومية التي زارت أحياءهم (شباط 2017).

رصدنا مدرسة الحي (مدرسة خولة بنت الأزور) وهي مدرسة ذات بناء أثري زينت صفوفها بأحلى الزينات، وهي عامرة بالطلاب وتناهت إلى مسامعنا أصوات الأطفال ينشدون نشيد الأمل والفرح.

لا أنكر وجود بعض الخراب والدمار، ولكن إرادة السكان كانت أقوى من كل شيء.

تعاطف الأهالي معنا ودعونا لاحتساء فنجان من القهوة بصحبتهم في ساحة صغيرة مغلقة مليئة بأصص الزرع المميزة ذات الروائح العطرية، وقد اعتاد السكان الجلوس هناك حالما ينهون أعمالهم بعد صلاة المغرب (الرجال فقط).

فتح الأهالي لنا أبوابهم لتوثيق الأضرار وتصوير المنازل ولفت انتباهنا وجود قصر كبير في باحة واسعة فيها عدد كبير من الغرف، قبة متطاولة تعلو قسم الحرملك، وقد زينت جدرانه الخارجية بحجارة باللونين البني القاتم والفاتح وزينت نوافذه بالنقوش الحجرية الأثرية، وقد كان محاطاً بالبساتين التي تآكلت بفعل الزمن وقد بيعت تلك البساتين لتبنى فيها منازل طابقية بطراز أبنية أربعينيات القرن الماضي، والقصر مهجور الآن بعد أن كان روضة أطفال.

في حي التونبوغا المجاور لقلعة حلب لم تكن الأمبيرات حاضرة فاستعاض عنها السكان بالمولدات والبطاريات، مجمل منازل حلب القديمة مميزة وأكثر ما يميزها السقوف الخشبية الملونة لبعض الغرف، والشرفات التي تطل على باحة الدار، وأثار انتباهي منزل لفنان تشكيلي جدد منزله الأثري والمنزل غير متضرر من الحرب وقد علق لوحاته الرائعة في الليوان ليزيد السحر سحراً والفن لوناً جديداً.

كما لفتت انتباهي الكنيسة الأثرية والبيوت المزينة، مما يدل على التآلف الديني وتعدد الديانات في الحي الواحد في القرن التاسع عشر.

 كما رصدنا عودة المياه إلى أحد أحياء حلب القديمة (صاجليخان) للمرة الأولى بعد انقطاعها لفترة طويلة، يومها كانت النساء تنظف المنازل فيما أنا أقوم برصد الأضرار والتصوير وسط ضحكاتنا المتبادلة.

أثناء عملنا في حلب القديمة بث الأهالي إلينا همومهم فتعاطفنا معهم، وكوني أنثى استطعت الدخول إلى أي منزل لتصويره وتقدير الأضرار فيه والتحدث مع نساء المنزل، ففي تقاليدنا يمنع دخول الرجال الغرباء إلى المنزل في غياب رجاله مهما كانت الأسباب، فالمدينة القديمة تحافظ على تراثها الحضاري والمعماري، كما تحافظ على تراثها الاجتماعي فتجد هناك مجتمعاً متماسكاً يتشبث بعاداته وتقاليده.

حلب القديمة علبة أرابيسك مليئة بالمجوهرات النفيسة.

تنهض حلب القديمة من رقادها الآن كما حلب بأسرها فتترك سرير مرضها لتعود قوية وتتعهد للجميع بأنها ستظل تلك المدينة الآسرة المستعصية على الطغاة والمعتدين ...التي تتأهب لتعود قوية كما كانت.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة