لا ترادف في اللغة والقرآن ... ( امرأة وزوج )

العدد: 
15189
ثلاثاء, 2018/01/09

أحاول جهدي الإبحار في كتاب الله المقروء (القرآن) كما يحاول علماء الطبيعة الإبحار في كتاب الله المخلوق (الكون).

فالإبحار فيهما من أرقى العبادات ولهذا لا يستغرب أحدكم إذا دخل الجنة فوجد أمامه ألبرت أينشتاين وماكس بلانك يرتعان في جنباتها لأن كلاً منهما موحد توحيداً مطلقاً حسب معرفتي المتواضعة. وهذا ما يجعلهما في دائرة قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) الآية 116 من سورة النساء.

هذا ما كان يهيمن على أفكاري حينما كنت في مصياف مدينة الكرم والعفاف زائراً عند السيد منيف يوسف وزوجه وفاء حسين يوسف تلميذتي وابنتي الروحية وذريتهما أحفادي وكنا في الشرفة أنا ونور ابنة السنوات العشر نتجاذب أطراف الحديث علماً أن الطفلة تحاول جهدها التحدث بالفصحى وتدون إجاباتي في كل ما يتعلق بالأصدقاء في منشوراتي على الفيسبوك وهي من الذكاء ما يجعلها بعيدة عن الأخطاء اللغوية والإملائية وفجأة مر في الشارع رجل لم يتجاوز الخمسين من عمره فقالت لي: هذا الرجل والد زميلتي الذي طلق زوجته منذ أشهر لأسباب مزاجية، فقلت لها: كيف عرفت أنه طلقها لأسباب مزاجية؟

أجابت: لأنه يقول: (مرتي العيشة معها صعبة).

وهنا أبديت احتجاجاً دافئاً على استعمال مفردة (مرتي) وفي نهاية الحديث قلت لنور سأوضح لك ولمن يرغبون كيفية استعمال مفردتي (زوجة وامرأة) قرآنياً في وقت لاحق وها أنذا أفعل مستعيناً بالله.

يروي لنا التاريخ أن اللغوي الشهير ابن خالويه قال في مجلس الأمير الحمداني سيف الدولة: (أحفظ للسيف خمسين اسماً) وكان أبو علي الفارسي من الحضور فانبرى قائلاً: (ما أحفظ له إلا اسماً واحداً وهو السيف).

فاحتج ابن خالويه قائلاً: (وأين المهند والصارم والحسام؟) فقال أبو علي الفارسي: (هذه صفات وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة) الخ. وكما يؤكد أبو هلال العسكري في كتابه (الفروق اللغوية): وكما لا يجوز أن يدخل اللفظ الواحد على معنيين، فكذلك لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد.

وهذا ما نلمسه بوضوح في القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين فلا ترادف في الألفاظ لأن لكل لفظ معنى خاصاً قائماً بذاته وسأضرب لكم على ذلك مثالاً: امرأة وزوج.

وظف القرآن لفظ امرأة في سورة المسد فأبو لهب كانت امرأته حمالة الحطب وفي امرأة فرعون وامرأة نوح وفي مواقع أخرى كما وظف لفظ زوج بخصوص آدم وحواء أي حينما تتحقق الحياة الزوجية تحققاً كاملاً بين الذكر والأنثى كقوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) آية 74 سورة الفرقان.

فإذا فسد التكافل الزوجي حيوياً باختلاف عقائدي أساسي كحال لوط كما في الآيات 83 الأعراف و60 الحجر و57 النمل و33 العنكبوت: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً، وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلاّ امرأتك كانت من الغابرين) أي سيطالها الهلاك لأنها على خلاف عقائدي معه، فهي ليست من أهله كما هو واضح في النص القرآني ولهذا تم توظيف لفظ امرأة.

كما يتم توظيف مفردة امرأة في حال عدم وجود تكامل حيوي كالعقم في شريكة نبي الله زكريا، وبذلك هناك عطل في التكامل الزوجي فسماها القرآن امرأة كما في قوله تعالى في الآية 8 من سورة مريم: (قال رب أنىّ يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتيا) فلما دعا ربه وتمت الاستجابة استبدل لفظ امرأة بلفظ زوج كما في قوله تعالى في الآية 90 من سورة الأنبياء: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) وكذلك أيضاً تم الأمر الإلهي بولادة إسحاق حسب البشرى (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، قالت يا ويلتي ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب) آية 71 ـ 72 سورة هود والآيات 28 ـ 30 سورة الذاريات.

أطلق عليها القرآن زوجة

والمعطى القرآني يؤكد دائماً بتعطل الحياة الزوجية بالاختلاف العقائدي والعقم والترمل، وأيضاً الظهار كما تؤكد سورة المجادلة.

لكنما هناك إشكال لم أجد له حلاً وأرجو ممن هم أكثر علماً وإحاطة وأكبر عقلاً مني الإسهام في حل هذا الإشكال:

وصف القرآن الكريم في سورة (المسد) أن امرأته حمالة الحطب وليس بينهما ما يعطل الزوجية من عقم أو خلاف عقائدي، وأتساءل: هل أطلق عليها النص امرأة لأنها كانت عوراء؟

وهذا مجرد تساؤل لهذا أرفع الإشكال إلى من يمتلكون القدرة على ذلك لأن الذكر الحكيم حينما وظف لفظ امرأة فهذا يعني أن العرب الذين أنزل القرآن بلغتهم كانوا يوظفونها بحكم كونه نسيجاً إلهياً محكماً لا مجال للريب فيه مطلقاً.

وفي مخزون الذاكرة حكاية طريفة مع أستاذ جامعي حول سورة المسد وأبي لهب وسأرويها لكم في موضوع آخر بإذن الله.

وقد طرحت هذا التساؤل على الشاعر بشير دحدوح وهو يمتلك أبجديات مميزة في فقه اللغة وقال: إن امرأة أبي لهب كانت تمتلك شخصية مستقلة ومخالفة لشخصية أبي لهب لهذا أطلق عليها القرآن لفظ امرأة وقد استوقفني الجواب لكنه لم يقنعني كلياً لأنه يولد بدوره تساؤلات عدة.   

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد