لماذا نحن متخلفون؟!

العدد: 
15192
جمعة, 2018/01/12

ما زلت أذكر المقابلة التي أجرتها إحدى الصحف السورية منذ حوالي أربعين عاماً مع أحد لاعبي كرة السلة الصينيين .. وذلك حين سأله الصحفي في آخر المقابلة عن هدفه في الحياة وأعز أمنياته التي يرجو تحقيقها فأجاب اللاعب الصيني: إن أقصى ما أتمناه وأعظم هدف أسعى إليه هو أن يزداد إنتاج /الكوميونة/ التي أعمل فيها.

والكوميونة هي مزرعة تعاونية يتشارك العمل فيها العديد من العائلات ويقدمون ما تنتجه تلك المزرعة إلى الدولة، وما زلت أفكر في أمنية ذلك اللاعب التي لخص فيها برأيي كل القيم والمعاني السامية وكل كتابات المصلحين وأعلام الاشتراكيين والمثاليين على مدار التاريخ، تلك الجملة التي طالما كنت أريد سماعها من مواطني وطننا العربي.

أجل عندما نتمكن من صناعة مثل ذلك الإنسان فلن يصعب علينا صنع أي شيء ولن نخفق في الوصول إلى أي شيء نسعى إليه.

فهل يمكن لهذا اللاعب أن يكون قد سمع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ؟!

لقد ترددت كثيراً قبل كتابة ذلك المقال وذلك لحساسيته وما يتطلبه من البحث والتقصي ولكونه يتحدث عن أمور قد لا يرغب الكثيرون في التحدث عنها، إذ غالباً ما يكون من الصعب على المرء الاعتراف بحقيقة الأمور والبوح بما يعانيه والإفصاح عن مشاكله وعلله ولو كان ذلك بغية تلافيها أو الحد منها وخاصة في مجتمعاتنا العربية التي اعتادت الهروب من الواقع وعدم التحدث فيه واضعة رأسها في رمال الوهم والتخيل والمفاخرة بفضائل وأمجاد أمتها الغابرة حتى أنها ترفض دعوات النصح ونداءات التحذير من الأخطار التي تحيط بنا من كل جانب وهذا يعود إلى عقائد وأفكار أخطأنا في فهمها وتفسيرها فرددناها وفسرناها بما يوافق خمولنا وحالة الخدر والكسل التي تعترينا إضافة إلى طيبة وبساطة كادت تهلكنا فجعلتنا أعداء لأنفسنا.

أجل لقد آن الأوان وآن لنا أن نضع معياراً نستطيع أن نفرق ونميز من خلاله حقيقة ماهية تخلفنا لننطلق نحو التقدم الفعلي ونعيش في فضاء أرحب وأغنى فعلى الرغم من أن غالبية الدول العربية قد نالت استقلالها بعيد الحرب العالمية الثانية إلا أنها لم تنجح في أن تحدد مفهوماً وأن تضع أسساً صحيحة لتنميتها تستطيع من خلالها تحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لشعوبها لأنها قامت ومنذ البداية على نظرية (الإحلال) أي جلب النظريات الغربية وإحلالها داخل البنى والبيئات العربية أملاً في تحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتطبيق مفاهيم تنموية مستوردة ترغب من ورائها بتحقيق إنعاش اقتصادي ينعكس بدوره على المواطن العربي.

وأمام هذا الفشل الذي منيت به النخب والقيادات العربية في تحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي لأفرادها كان لا بد لهذا المفهوم من أن يبقى مهيمناً على الساحة العربية إلى يومنا هذا دون وجود استراتيجيات أو حلول منطقية نابعة من الداخل تحاول أن تفكك هذا المفهوم المستورد وتفنده وتجد البدائل ذات الصيغ العملية للارتقاء بالواقع الاجتماعي والاقتصادي نحو الأفضل.

لقد كان من أهم أسباب السكون والبطء والفوضى التي يعيشها المواطن العربي استجلاب كثير من دوائر التخطيط العربية ودراسات وأرقام تنموية من الدول المتقدمة وحشرها عنوة في مجتمعاتنا دون دراسة روح تلك الأفكار والنصوص وملاءمتها لمجتمعاتنا فكان تأثيرها على نقيض ما يراد منها إذ لم يتغير ما نحن فيه بل إنها زادت في انحدار المجتمع وأثقلت أعباءه الاقتصادية.

فبعد الاستقلال سعت الدول العربية إلى العمل على محو الأمية وبناء المعاهد والجامعات المختلفة وكاد يكلفها ذلك جل اقتصادها القومي وبالفعل فقد وصلت بعض الدول العربية إلى مستوى مرموق في هذا المجال وبدأ رفد المجتمع بآلاف بل بمئات الآلاف من المتعلمين ففاقت في بعض الأحيان الدول المتقدمة ولكن بعد عقود صارت تلك الأعداد التي كانت تمثل الأمل المنشود عبئاً على تلك الدول بل أصبحت سبباً رئيساً في مصاعبها الاقتصادية إذ لم تستطع تلك الآلاف المؤلفة أن تعطي النتائج المرجوة منها في نشر التقدم والرفاه الاجتماعي والاقتصادي وتخليص المجتمع من رواسب التخلف المتراكمة إذ تبين لها أن الذي استغرق إعداده عشرات السنين لم يكن مهيأ للعمل المخلص والجاد وخدمة الوطن بالشكل الأمثل وذلك بسبب انتشار الفساد بين مفاصله وتفشي العلل والأمراض الاجتماعية بكل صورها وأشكالها فيه.

ونتيجة ذلك انتقل المجتمع العربي من مرحلة الإعداد العلمي لأبناء الوطن إلى مرحلة مكافحة الفساد الذي انتشر بشكل أصبح فيه التفكير في حلول لتلك المشكلة أمراً مستحيلاً وحلماً لا يمكن بلوغه وأصبح الناتج الوطني والميزانيات الاقتصادية لا يكفي جيوب الفاسدين الذين انتشروا كانتشار النار في الهشيم.

وبرزت من جديد إشكالات وأشكال متعددة من الفساد كالفساد الأخلاقي والاجتماعي والإداري وبات على المجتمع أن يواجه تلك الآفات التي استحكمت في مجتمعاتنا وصارت تهدد كيان المجتمع وتعرقل مسيرته التنموية والاقتصادية والثقافية وتساعد في تكريس ظواهر الفقر والقهر والتخلف وتفتت المجتمع وتقطع أوصاله فانعدم الإحساس والانتماء الوطني وطغت المادة على النفوس وأصبحت الغاية تبرر الوسيلة في كثير من الأحيان وشاعت مظاهر الغش والتدليس وانعدام الأمانة بين الناس وبالتالي انعدمت الثقة بين أفراد المجتمع حتى طال الفساد المؤسسات التربوية فأصبحت منابع للفساد بدلاً من أن تكون مراكز للإصلاح والتوجيه وأخرجت المجتمع العربي من طبيعته المعهودة  التي كانت تتميز بالالتزام الأخلاقي ومحبة الوطن.

أيضاً فإن هذا الفساد انعكس سلباً على الجهاز الإداري الذي يمثل عصب الحياة لجميع مفاصل المجتمع، ويحدث الفساد عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل معاملة أو عقد أو طرح لمناقصة عامة أو قد يكون بتعيين الأصدقاء والأقارب دون الالتفات إلى مبدأ الكفاءة الوظيفية وذلك ضمن منطق (المحسوبية) وقد تكون بسرقة أموال الدولة مباشرة.

إن الآثار المدمرة والنتائج السلبية لتفشي هذه الظاهرة المقيتة تطال كل مقومات الحياة لعموم أبناء الشعب فتهدر الأموال والثروات والوقت والطاقات وتعرقل أداء المسؤوليات وإنجاز الوظائف والخدمات وبالتالي تشكل منظومة تخريب وهدم لفعاليات المجتمع وتأخيراً في عملية البناء والتقدم ليس على المستوى الاقتصادي والمالي فقط بل في الحقل الاجتماعي والسياسي والثقافي ناهيك عن مؤسسات دوائر الخدمات العامة ذات العلاقة المباشرة واليومية مع حياة الناس كما يمكن لظاهرة الفساد أن تبلغ مداها حين تصل إلى القضاء وقد تبلغ أعلى مستوياتها في ظل عدم استقلالية القضاء عن عمل وأداء النظام السياسي وهو ما يعطي أبعاداً أوسع فاعلية للحكومة أو النظام السياسي.

إن عدم وجود مبدأ فصل السلطات وتوزيعها بشكل مناسب يؤدي إلى غياب دولة المؤسسات السياسية والقانونية والدستورية وعند ذلك المستوى تظهر حالة غياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد إذ تضعف الممارسة الديمقراطية وحرية المشاركة وتصبح القرارات الإدارية متسلطة وبعيدة عن الشفافية وتؤدي إلى العشوائية والفوضى في المجتمع.

وتكمن الخطورة حين يصبح الفساد والإفساد مذهباً وناموساً متبعاً في الحياة ويصبح المفسد والمرتشي ذكياً وواقعياً في نظر المجتمع.

وقد نبهت الشرائع السماوية كافة إلى خطورة الفساد وأثره على المجتمع، ففي تعاليم الإسلام أكثر من آية والعديد من الأحاديث النبوية التي تنهى عن الفساد وتنذر المفسدين بالعقاب.

قال تعالى في سورة المائدة: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) ولم تنس القوانين الوضعية عقوبة ذلك الداء التي قد تصل إلى عقوبة الإعدام.

والمحسوبية والوساطة محرمة في الإسلام لا سيما في القضاء والمظالم والحدود، يقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهناك حادثة أردت ذكرها في هذا المقال وذلك حين شكا يهودي علياً رضي الله عنه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما مثلا بين يديه خاطب عمر اليهودي باسمه ولكنه كنى علياً بكنيته فقال له: يا أبا الحسن حسب عادته في مخاطبته له فظهرت آثار الغضب على وجه علي فقال له عمر: أكرهت أن يكون خصمك يهودياً وتمثل أمامه أمام القضاء على قدم المساواة؟ فقال علي: لا ولكنني غضبت لأنك لم تساو بيني وبينه بل فضلتني عليه إذ خاطبته باسمه بينما خاطبتني بكنيتي.

وهناك مقولة تقول:(الساجد قبل المساجد والإنسان قبل البنيان) لذلك فإنني أرى أن أهم ما يجب أن نبنيه هو الإنسان وأن وطننا بحاجة إلى الشرفاء أكثر من حاجته إلى العلماء وأتذكر قول أحد أساتذتي: إذا أردنا النهوض من كبوتنا فلنبدأ بصناعة الدبوس قبل السيارة والطائرة وألا يوجد شيء حولنا إلا كان أكثره قد صنع في وطننا والأهم من ذلك إحساسنا بالمواطنة وإدراكنا الكامل بأن المواطنة هي الأخوة كأخوة العائلة الواحدة وأن كل مواطن جزء من بناء شامخ في هذا الوطن فإن تصدع هذا المواطن تصدع الوطن وانهار.

فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً تلك حقيقة الحقائق وأسس التنمية والرفاهية والعزة والكرامة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي