الدكتوراه الفخرية بين الفوضى والقانون

العدد: 
15192
جمعة, 2018/01/12

العلمُ في الناس لا يُبنى على خللِ...

وليس صاحبُ علمٍ مثلَ مُرتجِلِ

فاترك من الفخرِ دكتوراه مُحتسباً ...

واستعملِ الدرسَ؛ للتعليم فارتحلِ

واترُك بلوغَ المعالي دونما تعبٍ...

فذاكَ حُمقٌ وليسَ يليقُ بالرجُلِ

إن المعارفَ لا تُجنى فوائدُها...

بكسبِ اسمٍ بلا كدٍّ ولا وَجلِ

لا ريب أن من كمال العقل احترام سلّم النظام العلمي الذي اتفقت عليه المؤسسات العلمية العربية والعالمية لكون العقل البشري طوّر آلية التعليم عبر العصور وصولاً إلى ما نحنُ عليه من الأنظمة والقوانين.

والذي دفعني إلى الحديث عن منح شهادة الدكتوراه هو ما انتشر في الآونة الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من منح جهة معينة غير علمية شهادة "الدكتوراه الفخرية" لأشخاصٍ من غير النظر إلى مخزونهم الفكري أو علمهم أو ما قدموه للمجتمع مما ميَّعَ الأمر وأفقده قيمته. 

الدكتوراه العلمية:

تُمنح شهادة الدكتوراه العلمية للمتقدمين الناجحين في المرحلة التي تسبقها وهي مرحلة الماجستير الذين تسلسلوا في الترتيب الدراسي فحصلوا على الابتدائية ثم الاعدادية ثم الثانوية ثم الشهادة الجامعية (الليسانس) ثم الدبلوم "في بعض الاختصاصات" وأحياناً بعد الليسانس يأتي الماجستير مباشرةً ثم الدكتوراه، وفي كلِّ مرحلة يوجد صفوف دراسية ومرحلة تمهيدية وأبحاث يُقدمها الطالب؛ بحسب النظام المؤسساتي العلمي الجامعي لكلِّ بلد.

الدكتوراه الفخرية:

تُمنح شهادة الدكتوراه الفخرية أو الشرفية كتعبير عن الشكر والعرفان لشخصياتٍ ذات أثر عظيم جداً في المجتمع كالمخترعين أو المبدعين البارزين في ميدانٍ من ميادين العلوم النظرية، ويعتبر منح شهادة الدكتوراه الفخرية لشخصية ما تكريماً مميزاً للشخص وللمؤسسة التعليمية المانحة على حد سواء. ومن الطبيعي أن يكون هذا الامتياز محصوراً بالمؤسسات التربوية العريقة في أي بلد، علماً انه يفترض بالجامعة التي تمنح الدكتوراه الفخرية أن تكون قد حصلت على ترخيص بمنح درجة الدكتوراه العلمية، وبعد سنوات من منحها هذا النوع من الشهادات العلمية التخصصية يحق لها أن تمنح الدكتوراه الفخرية؟

والدكتوراه الفخرية لقب تكريمي، وليست مرتبة علمية، ومنحها مرتبط بالشروط والمعايير الآتية:

1. أن ينص قانون إنشاء الجامعة الرسمية، أو أنظمة إنشاء الجامعات الخاصة، على صلاحية منح شهادة الدكتوراه الأكاديمية العلمية، وأن يجاز لها منح شهادة الدكتوراه الفخرية في حدود اختصاصية محددة، تتوافق مع الكليات العاملة في الجامعة.

2. أن يتمتع الشخص المرشح للدكتوراه الفخرية بخصوصيات استثنائية ومبدعة في مجالات العطاءات العلمية أو الإنسانية أو الوطنية. وأن يترك أثراً ونتاجاً أهم بكثير من عدد من الأطروحات والمؤلفات، إذ ان قيمة الإنسان العلمية ليست بلقب الدكتوراه الأكاديمي الذي يحصل عليه بل بنتاجه المعرفي والثقافي والسياسي والاقتصادي وبدوره في الحياة.

3. أن يكون شخصية معروفة ومشهوداً لها على مستوى الدولة لا على مستوى حيّه أو حارته، وأن تكون عطاءاته نوعية، وإنجازاته رفيعة، وذات طابع عام وشامل، أو نضالي.

4. أن تكون المؤسسة التعليمية المانحة جامعة عريقة وذات تراث علمي وفكري، ولها مصداقية أكاديمية. وليس لشخصٍ أو مؤسسٍ لمجموعةٍ ما هنا وهناك أن يمنحها مهما كانت درجته العلمية.

5. يجب أن يراعى في اعطائها دور الشخص في العلوم والابداع والاختراعات والتضحية في سبيل الخير، الجهود الميدانية والنتاجات الفكرية، الدور السياسي الكبير، للبلد الذي يمثله الشخص الممنوح هذه الشهادة (الملوك، رؤساء الجمهورية، رؤساء المنظمات الدولية كبار العباقرة والعلماء في مجالاتهم).

الفرق بين الدكتوراه العلمية والفخرية:

الفارق فهو كبير ما بين الشهادتين، إذ إن المكرّم لن يتقدم إلى وظيفة وفقاً لدرجة الدكتوراه الفخرية التي يحملها. لكن في المجتمع يستطيع حامل الدكتوراه الفخرية القول: كرّمتني الجامعة الفلانية اعترافاً بالخدمات التي قدّمتها في أي حقل من الحقول، وعليه فإن الدكتوراه الفخرية هي درجة تكريمية وليست أكاديمية وبالتالي فإن كتابة (د. للشخصية الممنوحة الدكتوراه الفخرية) هو غير صحيح البتة !

سحب الدكتوراه الفخرية:

يحق لمن منح الدكتوراه الفخرية من الجامعات والمؤسسات العلمية العريقة سحبها ممن كرمتهم بمنحتهم إياها، وبالتالي فإن للجامعات حق نزع الدرجة من المكرم (كما فعلت جامعة الخرطوم مع العقيد معمر القذافي الذي كان قد منح الدرجة نتيجة لمساهمته في بناء قاعة محاضرات) وكما عملت الجامعات المصرية بسحب الدكتوراه من السيدة سوزان مبارك زوجة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك – بعد خلعه - كما سحبتها حكومة اسكتلندا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.مما يؤكد أنها ليست درجة مرجعية.

ورغم مخالفة سائر الشروط الواردة آنفاً لمنح "الدكتوراه الفخرية" في مواقع التواصل الاجتماعي وجهات أُخرى؛ فقد وقفتُ على صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي مَنحت شهادات دكتوراه فخرية، وبلغ عدد الممنوحين خلال أشهر أكثر من شهادات الدكتوراه الفخرية التي منحتها جامعة القاهرة من تاريخ تأسيسها (1908م) إلى وقتنا الحاضر، حيثُ منحت جامعة القاهرة خلال مئة وعشرة أعوام ثمانون شهادة دكتوراه فخرية لكبار الشخصيات. أما ذلك الموقع فقد منح المئات من الشهادات من غير قيدٍ أو شرط خلال شهور.

وجدير بالذكر أن جميع تلك الشهادات الممنوحة على مواقع التواصل غير مشروعة وغير مُعترف عليها في النُّظم العلمية والإدارية كما تقدَّم، وهي تخلُق فوضى عارمة، ولا يصحُّ أن يُقال "دكتور" لمن حصل عليها أبداً، وأخشى أن يكون الراضي بها ممن ينطبقُ عليه قول الله تعالى {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [سورة آل عمران: الآية 188]، كما أخشى أن نكون مُسهمين في تفعيل علامات الضلال في واقع مجتمعنا من خلال السكوت عن هذه الظاهرة؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبِضُ العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتَّخذَ الناسُ رؤوساً جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) رواه الشيخان.

إن الذين يريدون أن يُعلوا من شأن أنفسهم بهذه الطريقة قد أساؤوا لها من حيث لا يدرون ومما يُذكرُ في هذا المقام أن المفكر والكاتب والأديب المصري المبدع عباس محمود العقاد رفض شهادة "الدكتوراه الفخرية" حينما عُرِضَت عليه ولم يرض أن يناديه أحد بهذا اللقب. وكذلك أذكر أن جامعة الجزائر منحت " الدكتوراه الفخرية" لشاعر حلب البار الشاعر والأديب والباحث الكبير "أحمد دوغان" تقديراً لجهوده ومؤلفاته في فترة تزيد على الربع قرن، فقلتُ له: ألف مبارك يا دكتور. فرجاني ألا أناديه بهذا اللقب وقال لي: هذه الشهادة هدية احتفظ بها في بيتي كالوسام، ولا أُظهرها للناس. رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.

ومما يُذكرُ أيضاً أنه في سنة (2014م) أعلنت جامعة جزر البليار الإسبانية أن لاعب التنس المصنف الأول عالمياً "رافاييل نادال" قد رفض الحصول على جائزة الدكتوراه الفخرية التي رشحته الجامعة لها حرصاً على عدم إلحاق الضرر بمكانة الجامعة العلمية.

وإذ أخطُّ هذه السطور في فترةٍ استثنائية من تاريخ وطني أُناشد كل غيورٍ على العلم ألا يُفقد قيمة مراحله الدراسية وجهود الدارسين فيها من خلال السماح لمن لم يتجشّم عناء العلم والتعليم أن يحصل على ألقاب علمية توهِم الناس وتضللهم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة