من ذكريات شاهد على الزمن .. أوروبي يتساءل : ما الإسلام ؟ 2/1

العدد: 
15194
أحد, 2018/01/14

كنت ثالث ثلاثة في الدورة الصحفية التي أقيمت في طرابلس الغرب بليبيا في القرن الماضي وقد استمرت أربعين يوماً وحملني الصديق د. نعيم اليافي رسالة خاصة إلى الشاعر الكبير محمد الفيتوري الذي كان يقيم في طرابلس آنذاك ورغب إليّ أن أحدثه عن المشروع المشترك الذي طرحه علي الصديق اليافي والذي يحمل عنواناً مهماً (زوايا حادة في الفكر الإسلامي) وكنت متردداً في الشروع فيه ليقيني أن د. اليافي رغم علو باعه في النقد الأدبي وثقافته الموسوعية وإعجابي إلى حد الدهشة بمؤلفه العظيم (الموسيقا في القرآن) إن لم تخني الذاكرة والذي لسوء الحظ لم يطبع حتى الآن إلا أنه كان مأخوذاً بالفكر الغربي إلى درجة لا أشاطره الرأي فيها رغم أنه كان صريحاً معي في كل شيء حتى أنه حدثني مرة أن المفكر محمد أركون قال ذات مرة لصديق مشترك لهما في باريس: إن الغرب السياسي ومن في زمرته يدفعون له أكثر مما يدفع الإسلاميون في شبه جزيرة العرب. وهذه الأمور لا تهمني كثيراً ولا يهمني سوى الصراحة الدافئة من قبل صديقي.

 ولحسن الحظ كانت إقامتنا في أهم فنادق طرابلس والذي كان يحتضن الشاعر الفيتوري الذي يخترق القلوب بلا استئذان وأديت الأمانة بدءاً من الرسالة الخاصة به وصولاً إلى التطرق إلى مشروع (زوايا حادة في الفكر الإسلامي) الذي أبدى الشاعر اهتماماً كبيراً به وقال لي: سأجمعك غداً مع شاب مثقف قادم من أوروبا يبحث عن جوهر الإسلام مع أنه يدرس اللاهوت والقانون معاً وأعتقد أنك ستحبه كما أحببته وفعلاً تم اللقاء مع الشاب الذي استمسك بي بشكل لم أكن أتوقعه إلى أن شرعنا بلقاء مسائي يومياً وكنت أصغي إلى كلامه بالفصحى حيث كانت الحروف تخرج من فمه بصعوبة بالغة وخلال وجودنا في طرابلس لأكثر من شهر كان كل منا يحقق تماساً روحياً مع الآخر ولا تزيدنا الحوارات المستمرة إلا مودة وهذا ما ساقه إلى التساؤل بدهشة:

الأوروبي: ألا ترى أننا نتقارب كما لو كنا عشاقاً؟

قلت: لأن كلينا يطارد الحقيقة ويعشقها مثلنا في ذلك مثل الجلال الرومي وصديقه الحبيب شمس تبريز وقد كتب لهما الفراق مما أقض مضجع الرومي وأرجو أن يكون قدرنا مختلفاً.

الأوروبي: كم أرغب بالتعرف على حكايتهما!

قلت: حينما تنكب على دراسة التصوف الإسلامي بمزيد من الحب والعقلنة ستعرفها.

وحينما شارفت إجازته على الانتهاء أوضح لي رغبته بالعودة إلى الوطن بحراً ليتسنى له في الباخرة اللقاء بأكبر عدد من المسلمين وإجراء حوارات هادئة معهم للتعرف على الإسلام أكثر، فسارعت إلى الإيضاح له بأنني أنصحه بعدم التركيز على حوارات مع المسلمين لأنها ستغدو جدلاً عقيماً مؤكداً له أن التاريخ حلقات متواصلة وأن العرب والمسلمين حالياً في الحلقة الأكثر سوءاً منذ زمن طويل، إنهم في حالة الركود، والماء الراكد موطن توالد الديدان، هم اليوم في ظلمات ولا يجرؤ المرء على الدخول في الأنفاق المظلمة إن لم يكن انتحارياً أو يستهدف اكتشاف ما هو جديد، وأنت يا صديقي تريد اكتشاف جوهر الإسلام، والمسلمون لا يتعرف عليهم الإسلام بعد أن تجاوزا نصوصه التأسيسية وهذا يتطلب من الباحث البحث عن حقيقة الإسلام عزل الدلائل عن الوقائع وسيتعبك ذلك كثيراً، فالشاعر الفرنسي لامارتين قال: (محمد هو النبي الفيلسوف الخطيب المحارب، قهر الأهواء بالتنظير لكل مقاييس العظمة البشرية وأود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من محمد؟!) وهذا ما أكده بعده بزمن ليس بطويل المفكر الأمريكي مايكل هارت حينما أعطى محمداً صلوات الله عليه موقع رأس الهرم في كتابه (المئة الأوائل) وكذلك الكاتب الإنكليزي جورج ويلز أكد أن (محمد أعظم من أقام دولة للتسامح والعدل) ويأتي الباحث الفرنسي غابريل مارسيل ليؤكد الطابع الحضاري للرسالة المحمدية في كتابه (إنسانية الإسلام) وهؤلاء جميعاً لو عايشوا المسلمين لرموا الإسلام بألف حجر ولكنهم عادوا إلى النصوص التأسيسية في القرآن وتوقفوا ملياً لدى السيرة النبوية بحيادية مطلقة.

فنظر إلي ملياً ثم قال: هل تعلم أنك أعطيتني درساً مهماً في فلسفة الحضارات وأبجدية التاريخ الفكري وسوف أوظفه في حياتي الفكرية والعملية ما حييت؟! ليتني لم أكن طالباً في هذه الجامعة أو تلك لأنك بالنسبة إلي جامعة تطل عالياً على معظم الجامعات على أقل تقدير. وأنا لا أتكلم إلا بما أشعر به فأنا أرى فيك نعم صديق وخير رفيق في كل طريق فاسمح لي بوداعك قبل الرحيل عنك لأنني مسافر غداً.

فودعته مصافحاً معلناً أنني سأكون في وداعه في الميناء غداً واقتربت ساعة الرحيل ووقف كل منا أمام الآخر هو بقامته المديدة وأنا بما أنا عليه نتأمل الشاطئ المتوسطي الضاحك فقلت له باسماً: ألا تحب هذا البحر الذي كان يطلق عليه الأقدمون البحر السوري؟!

الشاب: آه ... كم كان بودي أن تحدثني عن أبجديات الحضارات السورية القديمة مستقبلاً لكنما الآن أريد منك كلمة وداع عن عظمة محمد لكاتب غربي أصطحبها معي في الطريق.

قلت: يقول المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه (قصة الحضارة): (إذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس فإن محمداً هو أعظم رجال التاريخ) على أن نضع في الحسبان أن ويل ديورانت في استعراضه للحضارة العربية الإسلامية لم يكن حيادياً على الإطلاق.

وسرنا بضع خطوات ويد كل منا بيد الآخر حتى آخر نقطة مسموح بها للمودعين وعانق كل منا الآخر بحميمية كما تعانقت دموع الفراق وتمتم قائلاً كما لو كان يشهق باكياً: سآتيك .. سآتيك .. سآتيك إلى سورية وأقهر كل الصعاب.

فأجبته مستمسكاً بقواي ما استطعت: سنلتقي بإذن الله.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد