من ذكريات شاهد على الزمن .. أوروبي يتساءل .. ما الإسلام ؟!

العدد: 
15200
سبت, 2018/01/20

وأبرق لي يعلمني بوصوله، فأبرقت له وأنا أحمد الله على سلامته، وما هي إلا أيام حتى قفلت عائداً إلى الأهل والخلان، وكان هاجسي وصول هاتف أو رسالة أو أي خبر عنه لكن هذا الهاجس أخذ صفة الاستمرارية حتى خيل إلي أنه أوقف التساؤلات التي تقض مضجعه تلقاء الحقيقة أو انغمر في فضاءات حب فتاة شقراء أسدلت عليه جوانحها، وانطوى عام كامل فإذا بخطابه يدق بابي ويولد الأمل مجدداً.

كانت رسالته مطولة تستعرض لقاءاتنا وحواراتنا الدافئة حيناً وجدالنا الحاد حيناً آخر. وكان يختزل ما قرأ في هذه الفترة للمستشرق الفرنسي أرنست رينان وكتاب (الأبطال) لتوماس كارليل الذي يتضمن فصلاً عن النبي العربي وكتاب (حضارة الإسلام) لغوستاف جرونيباوم وغيرها دون أن يعلق على قراءته بشيء لكنه أوضح لي أنه استوقفه الفصل الذي كتبه جان جاك روسو حول إقرار الإيمان في كتابه (اميل أو التربية) كما تأثر بالتعاطف الذي أبداه تولستوي تجاه الإسلام، وقال لي: إنه لم يحب كتابات جان بول سارتر في الوقت الذي انغمس بكتابات سورين كيركغارد مؤسس الوجودية المؤمنة.

واختتم خطابه قائلاً: ما يزال يؤرقني التساؤل الأبدي: ما الإسلام ؟!

عاودت قراءة خطابه خلال أسبوع أو أكثر متأملاً وباحثاً عما يريد إلى أن تأكد لي أن عمره العقلي يفوق عمره الزمني والمعرفي، وأنه لو قدر له الاهتداء إلى الإسلام فسيكون مفكراً إسلامياً حضارياً يعيد إلى الذاكرة المفكر الباكستاني محمد إقبال والمفكر الكبير د. عادل العوا وهذا ما ساقني إلى تستطير خطاب لا يتضمن إجابة على تساؤله ولكنه يحوم حوله.

وسأحاول استرجاع الذاكرة ما استطعت لأقدمه لكم.

العزيز جداً السيد ...

أنا ابن الشرق العربي الإسلامي المدفون تحت الشمس صيفاً وفي بيداء الصقيع شتاء، لا أمتلك من الحرية إلا عبقها الداخلي وفق رؤية الفيلسوف السوري زينون مؤسس الفلسفة الرواقية القائلة: إن حرية المرء الذاتية عصية على القوانين الأرضية. وكم أتمنى عليك التعرف عليها، وكانت مكتبتي تحتضن كتاباً للمفكر السوري جورج عبد المسيح بعنوان ( زينون خط المفكر السوري ) فأرسلته إليه، أما أنت أيها الكائن الأوروبي فإنك تمارس حريتك كما تشاء ويلوح لي أنك لا تبحث عن حرية الاختيار بقدر ما تبحث عن الانعتاق  الذي يتعالى على الحرية والحتمية  .. إنك متوجه تلقاء الحب الكبير .. حب الله والإنسان والعالم في هذا الكون الذي يبدو للإنسان لا متناهياً في الزمان والمكان، إلا أنه محدود جداً في اللامتناهي .. الذات الإلهية.

إنك تعيد إلى ذاكرتي حكاية الحلاج الذي قطعوه وأحرقوا جثته، والسهروردي المقتول الذي أطلق عليه شهيد النور الإلهي وهو القائل:

وارحمتا للعاشقين تكلفوا

     سر المحبة والهوى فضاح

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

      وكذا دماء العاشقين تباح

أنت تذكر جيداً قولي: إن علاقة العقل والفعل مع ما يحيط به تحقق للمرء موقفاً مجانباً من العالم ...  فتغدو علاقة إبداع وإنجاز لأنها تضعه في قاع العالم بكل أطره وهوامشه وأرضياته ليساهم في تحريكه واكتشافه وتغييره ليحقق خلافة الله في الأرض.

هذه العبارة استوقفتك كثيراً حتى أنك أشرت إليها في رسالتك، وهذا ما يجعلني أرى فيك إنساناً مؤمناً ببارئ الأكوان معقلناً بانطلاقتك من العلم الذي يمثل أرقى العبادات على الإطلاق بعد التوحيد مما يقودني إلى نصحك بأن لا تقدم شكواك من حيرتك إلى أحد .. ارفعها إلى الواحد الأحد وسيهيئ لك من لدنه مخرجاً .. وهذا ما يذكرني بالحوار التي تم بين جبريل ومحمد عليهما السلام حينما سأل جبريل النبي الخاتم قائلاً: ما الإحسان ؟! فجاءه الجواب القطعي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وراحت الأيام تترى إلى أن وصلني منه خطاب مطول ينوف عن 20 صفحة يحاورني بدفئه المعهود عما جاء في رسالتي له بإسهاب غير ممل مختتماً بقوله: حدثني عن الإسلام.

فوجهت له الخطاب التالي:

الصديق الصدوق السيد ..

حينما التقى شاعر العروبة الأكبر في العصر الحديث عمر أبو ريشة بالرئيس الأمريكي العظيم جون كينيدي في البيت الأبيض بادره كينيدي قائلاً: حدثني عن سورية؟ فأجابه الشاعر: إن من تعبدونه هو ابن سورية أرض الحضارات وأرسله الله بالإسلام الذي حمله الرسل من قبله إضافة إلى التوصية الخالدة .. مبشراً برسول يأتي من بعده كما ورد في القرآن الكريم وأمرنا بعدم الاعتداء على الآخرين والبر بهم كما جاء في الآية الثامنة من سورة الممتحنة، وقال الرسول الكريم (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه فأنا خصمه يوم القيامة) ولديك كتاب الله المقروء (القرآن) الذي حدثتني عن انبهارك في بعض آياته .. أما بخصوص طلبك بأن ألخص لك صورة المؤمن في الدنيا والآخرة بثلاث آيات، فهي كما يلوح لي وفق رؤيتي المتواضعة بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وموجباتها بدءاً من تفعيل لوائح القيم الدينية والأخلاقية:

1-(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) آية 48 سورة النساء.

2-(فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى) آية 37-41 سورة النازعات.

3-(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) القصص آية 83.

وكنت على موعد أحر من الجمر منه برسالة فإذا به يهاتفني من شارع بارون بحلب وما هي إلا دقائق حتى تم لقاء الأحبة. وإذا كنت قد اختصرت فيما سبق فسأختزل هنا حتى لا أطيل عليكم. فقال:

-جئت من بلدي لأعلن إسلامي بين يديك.

-أعلن إسلامك بين يدي الله لأنه ثالثنا.

-أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

-اللهم إني من الشاهدين.

-خذ بيدي غداً لأشهر إسلامي كما هو معروف.

-وهنا أعلنت احتجاجاً دافئاً ورغبت إليه أن يسلم صامتاً ويتابع دراسة اللاهوت.

 فقال: ذلك في إيطاليا وكيف أمارس إسلامي ؟! ذلك مستحيل.

 فقلت له: إن رب العالمين شهد إسلامك وهذا ما كان وما عليك إلا الشروع في الجهاد الأكبر. فذات مرة قال الرسول بعد عودته من إحدى الغزوات (عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) أي مجالدة الحياة الدنيا وأكاد أرى أن جهادك الأكبر يتمثل في تخفيف حدة العداء الغربي للعالم الإسلامي وبقدر ما تحقق من نجاح بقدر من تكون مجاهداً لا مثيل له في التاريخ، أطفئ الحقد والعداء والكراهية في الإنسان الغربي للإسلام والمسلمين.

فنظر إلي مذهولاً وهو يقول: وكيف أقوم بعبادتي المفروضة علي؟

أجبته: اعبد الله ما تسنى لك ذلك خفية ما استطعت.

فقال مبهوتاً: أعبد الله في الفاتيكان ؟! لكنني قد أرتقي في المناصب وقد أصبح البابا!!!

قلت: ذلكم النجاح الأكبر أن يكون البابا من الحي الإسلامي يا صديقي، وإياك ثم إياك التدخل فيما يؤمنون، فمهمتك تقتصر على بذر الحب وزرع التآلف في صدور القوم.

وما هي إلا أيام حتى امتلك القناعة بذلك وبارتياح كامل للمهمة التي حملها على كاهله وانطلق مسافراً على دروب إقصاء الكراهية والحقد والبغضاء وإحلال أبجديات التآلف والحب والتسامح في عمق الإنسان المسيحي لأخيه المسلم في كل مكان، وفي ساعة الوداع أقنعته بأن لا لقاء بيننا إلا في اليوم الموعود راجياً أن يهنئ كل منا الآخر بمقعد صدق عند مليك مقتدر...

وكما اتفقنا لا أعلم عنه شيئاً منذ ذلك اليوم ولكنني أتمنى أن يحقق مهمته الإنسانية السامية في تحقيق الإخاء المسيحي الإسلامي بإذن الله.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد