صحفي في الذاكرة .. صحف رياضية وجمهور غريب

العدد: 
15212
خميس, 2018/02/01

في مواضيع سابقة نشرنا العديد من أسماء الصحف التي صدرت في العهد العثماني وكان أولها في الصحافة السورية (الفرات) التي أصدرها الوالي التركي جمال باشا الذي ضغط على الثائر عبد الرحمن الكواكبي ليغير اسم الجريدة إلى /الاعتدال/، وقد أجبر الكواكبي على هذا التغيير لأن جريدته الخاصة التي سبقت الاعتدال كانت /الشهباء/، هكذا يقول جرجي زيدان عن الصحافة في مدينة حلب حيث كانت السباقة إلى إصدار ونشر الصحف.

وفي أبحاث أخرى أكدت بعض المصادر أنه في القرن الثامن عشر ظهر الكاتب الصحفي المميز جبرائيل دلال الذي وصفته الأوساط الصحفية العملاقة آنذاك بأنه من رواد الفكر الحر والصحافة الملتزمة والدليل على ذلك أن شارعاً في مدينة حلب في منطقة العزيزية لا يزال يحمل اسم هذا الرائد.

وفي أبحاث مشابهة أكدت تلك المصادر الصحفية الموثوقة أن رزق الله حسون هو أول من أصدر صحيفة في حلب أيام الحكم العثماني وأسماها /مرآة الأحوال/.

وعلى أية حال لا نريد أن نكرر ما جاء في حلقاتنا السابقة لأن المقصود في هذه المقدمة هو ربط الصحف عامة بالجمهور القارئ في ذلك الوقت وقد طرح بعض المتابعين والمهتمين بالصحف الصادرة والمتنوعة سؤالاً أو أكثر من سؤال مفاده: هل كان الجمهور المتابع لتلك الصحف على درجة من الوعي والنضج لحجم تلك الصحف؟

في الحقيقة لم تكن الصحف الصادرة آنذاك على مستوى واحد من الفكر الثقافي والنضج السياسي والأدبي لأنها كانت ترتبط بكتل وطنية وانتماءات مختلفة كما أن النهج في الكتابة والأسلوب قد اختلف من صحيفة إلى أخرى فالبعض كان يميل إلى الفكر الحاكم آنذاك والبعض الآخر كان يميل إلى الكتلة الوطنية التي تدعمه وتدعم محرريه وتزود مطبعته بما يلزم من أوراق وأحبار ومال وتجهيزات لأنها كانت ضعيفة في ذلك الوقت حيث كانت المطابع آنذاك تعد على أصابع اليد الواحدة  إن لم نقل أقل من ذلك في وقت كانت فيه بعض المطابع المشار إليها تطبع لجريدتين مختلفتين مقابل المال الذي كانت أحوج إليه.

وإذا قلنا إن عدد القراء كان قليلاً في ذلك الوقت فلأن اللغة التي استخدمتها إدارات الصحف اختلفت من صحيفة إلى أخرى.

فجريدة (الوقت) لطاهر سماقية كانت تطبع باللغة التركية وبعدها انتقلت إلى العربية وكانت تطبع مرة في الأسبوع على أربع صفحات.

جريدة (حلب) وكانت تسمى في العهد العثماني (الفرات) حيث طبعت في فترات باللغة الأرمنية.

جريدة (برق الشمال) لنقولا جانجي عام 1932 صدرت باللغة الفرنسية حتى عام 1946 ثم صدرت بالعربية.

إذن هذا التغير وهذه المميزات الكثيرة والمتنوعة جعلت القارئ قليلاً ومحدوداً، فعنصر اللغة وفقر الحال في إمكانات المطابع وتوقف الصحف بسبب الانقلابات العسكرية منذ عام 1949 وانتقال المحررين من صحيفة إلى أخرى إلى ما هنالك من أسباب ذكرناها في حلقاتنا السابقة أدت جميعها إلى افتقار الشارع إلى القارئ الجيد أو القارئ العادي باستثناء القارئ الرياضي الذي لنا معه وقفة مطولة كي نعطيه حقه وبخاصة في زمن دعم الأندية وصدور الجرائد المتخصصة وبروز كتاب وصحفيين أكفاء أعطوا الصحافة الرياضية حقها.

التربية صحيفة مميزة

جريدة (التربية)

جريدة التربية صدرت عام 1945 لعبد السلام الكامل الذي كان مولعاً إلى حد كبير برياضة كرة القدم فأسماها آنذاك /التربية الرياضية/ وهي محلية وجمهورها واسع.

وقد توقفت بسبب مرسوم الإلغاء ثم عادت وأصبحت سياسية أسبوعية تصدر صباح كل خميس، أما بقية الصحف فكانت تكتفي بأخبار صغيرة عن الرياضة وأحداثها وهذا ساهم أيضاً في ندرة القراء، وكان في ساحة باب الفرج موزع خاصاً يدعى عبد الرحمن كيالي مهمته استلام كافة الصحف الصادرة من أصحابها ويقوم بتوزيعها على المكاتب العامة وباعة الصحف المتجولين الذين كانوا يمثلون العصب الحساس لأصحاب الصحف لأن إيرادات الباعة من مكاتب وباعة متجولين كانت هي الأهم في دعم صناديق تلك الصحف لتسديد ديون التجهيزات ودفع رواتب وأجور عمال المطابع وتعويضات المحررين وقيمة الأوراق والأحبار.

أما في زمن إصدار الصحف الرياضية المتخصصة أي بعد عام 1963 إبان ثورة الثامن من آذار فقد تغير وضع التوزيع واختلف حجم القراء ونضج الوعي الرياضي وساهمت هذه الصحف في توسع حجم المخزون الرياضي من الثقافة والارتقاء بالمستوى والمساهمة والتصدي لأخطاء الحكام من قبل الجمهور وعقد مؤتمرات صحفية وندوات تلفزيونية ساهمت جميعها في توضيح الأخطاء المرتكبة بالصورة والصوت مما زاد من هذا النضج الذي أصبح مخيفاً للحكام والمراقبين.

وهذا ما سنأتي على تفصيله في حلقاتنا القادمة التي تعطي جمهورنا الرياضي حقه من الاهتمام والمساهمة في دعم صناديق الأندية الرياضية من خلال عشرات الآلاف من المتفرجين التي كانت تملأ مدرجات الملاعب قبل ساعات طوال من انطلاق صافرة حكم المباراة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عطا بنانه