النقابة ودورها في تحقيق العدالة الاجتماعية

العدد: 
15212
خميس, 2018/02/01

تعرف النقابة بأنها جمعية أو رابطة تجمع أعضاء يشتركون مع بعضهم بالحرفة أو المهنة وذلك بغية حماية وتنمية مصالح أعضائها الاقتصادية والاجتماعية عن طريق الضغط على الحكومة والهيئات التشريعية في الدولة. وقد تلجأ في كثير من الأحيان إلى العمل السياسي لتحقيق مطالبها اعتماداً على وجودها المؤثر والفاعل في المجتمع.

واصطلاحاً: هي هيئة قانونية تتكون من المواطنين الذين يتعاطون مهنة واحدة أو مهناً متقاربة. 

وتضطلع النقابات إلى جانب هذا بوظائف أخرى منها: ما يتصل بمجال التعليم والتثقيف بالنسبة إلى أعضائها والمشاركة في تنظيم الصناعة أو الحرفة والعمل الذي تقوم به.

ويعود تأسيس النقابات إلى العصور الوسطى حيث سار نظام (طوائف المهن) في كثير من البلدان. فكانت لكل حرفة أو مهنة في كل مدينة جمعية تضم أبناء المهنة أو الحرفة من أصحاب الأعمال والعمال في آن واحد. وعلى الرغم من هذا كان أصحاب الأعمال هم الذين يديرون هذه الجمعيات ويتخذون القرارات المتصلة بتنظيمها.

غير أن النقابات بمعناها الحديث والتي تقتصر على العاملين وحدهم دون أصحاب الأعمال لم تظهر إلا مع بداية الثورة الصناعية التي حدثت في بريطانيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. حيث بدأ التعارض واضحاً بين مصلحة العامل ورب العمل، وزادت الفوارق الطبقية بين الناس وخاصة في أوروبا التي شهدت اضطهاد العمال واستغالهم من قبل أصحاب الأموال ومالكي المصانع. إذ تعين على العمال أن يتعاونوا من أجل الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم ضد طغيان رأس المال. فوحدوا صفوفهم وقاموا بتشكيل تنظيمات في بادئ الأمر لمحاربة أصحاب رؤوس الأموال. ثم ما لبثت أن أصبحت أكثر شمولاً وتنظيماً وهو ما أدى في النهاية إلى اعتراف الدول بهذه التنظيمات بشكل رسمي. وكانت بريطانيا أسبق الدول إلى الاعتراف بالأهلية الكاملة للنقابات العمالية وتم ذلك عام /1871/. ما أدى إلى ازدياد نشاط تلك النقابات وتحسن أحوال الطبقة العاملة بوجه عام.

ومما يلفت النظر بالنسبة إلى تطور النقابات التقارب الواضح بينها وبين الحركات الاشتراكية بسبب اتفاق الطرفين على معارضة تسلط رأس المال.

وقد يظن البعض أن النقابات ظاهرة خاصة بالنظام الرأسمالي. وأنها بالتالي تصبح غير ضرورية إذا ما أخذ المجتمع بالنظام الاشتراكي حيث يسيطر الشعب على وسائل الإنتاج. وهذه النظرة خاطئة فالنقابات موجودة في كل المجتمعات والأنظمة كما أنها كانت موجودة في الاتحاد السوفييتي سابقاً حيث منبع الفكر والفلسفة الاشتراكية آنذاك. ولكن كانت تلك النقابات تكتسب مفهوماً مختلفاً إذ يقع عليها عبء مهم وهذه المشاركة تتمثل في تنفيذ خطط التنمية والعمل على رفع الكفاءة الإنتاجية والمستوى الثقافي والاجتماعي لأعضائها وتعميق الوعي بفلسفة وفكر النظام الاشتراكي.

ومنذ أواسط القرن التاسع عشر بدأت النقابات بالخروج من حيز البلد الواحد لتشمل مجموعة من البلدان فأصبحت هنالك نقابات تتصف بالعالمية.

إذ تم إنشاء الاتحاد الدولي لنقابات العمال الحرة الذي تأسس عام /1949/ والاتحاد العالمي للعمال والذي أصبح مقره في بروكسل ببلجيكا.

ولكن لنا أن نتساءل اليوم: هل نجحت تلك النقابات في تحقيق العدالة الاجتماعية؟! وهل استطاعت احتواء وخدمة جميع العاملين والعمال في الوطن؟!

إن نظرة عامة وشاملة إلى العاملين وطبقة العمال الذين ينتسبون إلى نقابة ما توضح لنا أن تلك النقابات لم تكن سوى مكاتب إدارية عقيمة لم تستطع تقليص الفوارق بين فئات الشعب ولا خدمة منتسبيها إذ باتت الطبقات العاملة أكثر معاناة في خضم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المستجدة، وأصبح أرباب العمل وأصحاب رؤوس الأموال أكثر تسلطاً وقسوة من ذي قبل. إذ استطاع كثير من أرباب العمل وأصحاب رؤوس الأموال السيطرة أو التحالف مع النقابات بما يتوافق مع مصالحهم. حتى أن العامل بات يفتقد إلى أبسط حقوقه الأساسية كالمطالبة بتحديد حد أدنى لأجر العامل يضمن له كرامة العيش والمطالبة بحقه في العطل الرسمية وعدم تشغيله في عطلة نهاية الأسبوع لأي سبب كان.

في حقيقة الأمر ورغم اتباع عدد من الدول العربية النهج الاشتراكي فإن التشريعات الاجتماعية وقوانين العمل النقابية لم تستطع إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع وذلك بتحديد أجر معقول ومقبول للعمال وأن تمنع تشغيل الأطفال والنساء وحمايتهم من إصابات العمل وأخطاء المهن الشاقة التي يعملون فيها.

إن النقابة والعمل النقابي ليس قرارات وتشريعات مكتوبة توضع في ملفات الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة دون أي تنفيذ. إن التنظيم النقابي هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهو العامل الأساسي في تغيير المجتمع نحو الأفضل. وبذلك تتحول النقابات إلى خلايا قاعدية للنظام الاجتماعي. فلا مكان للدولة التي تتعامل مع الأفراد كذرات متفرقة عن بعضها البعض. بل إن كل فرد في المجتمع ينتمي إلى نقابة قوية تستطيع الدفاع عنه في كل الظروف ولو اضطر ذلك إلى الإضراب العام الشامل كوسيلة لتحقيقه. وهذا يعني أيضاً العمل على إلغاء ظاهرة تبعية الاتحادات العامة النقابية للسلطة السياسية وتحرر العمال والنقابيين من خضوعهم للهيمنة السياسية وقد ذهب بعض المنظرين الاقتصاديين والسياسيين إلى اعتبار أن النضال النقابي هو الطريق الوحيد للوصول إلى الغايات المنشودة للطبقة العاملة.

وسميت تلك النظرية (بالنزعة النقابية) وهي نظرية خاطئة وضارة تضعف معنى النضال وتجهضه نظراً إلى ضيق أفق طبيعة هذا النضال واقتصاره على مطالب اقتصادية وإصلاحية محددة. ونظراً إلى أنه يضع فئات عديدة خارج إطار نضال الطبقة العاملة. وهذا ليس في صالحها ولا في صالح الأهداف الوطنية والاجتماعية العامة.

إن مفهوم النضال النقابي لا يعني إنشاء منظمات صورية لا تظهر إلا من خلال اللافتات أثناء المناسبات الرسمية وكذلك لا يعني ذلك المفهوم الضيق الذي لا يتجاوز الزيادة في الأجور وإنشاء المكاتب النقابية لهذا الغرض بل إن ما يعنيه هو ذلك النضال الدؤوب الهادف إلى خدمة الطبقة العاملة وفق مبادئ الديمقراطية والتقدمية والاستقلالية التي تعتبر ضمانة لحماية النضال النقابي من الانزلاق نحو البيروقراطية والتبعية.

إذن وبعد التطور الذي عرفته البشرية كان لا بد من وجود النقابة ومن ممارسة العمل النقابي لأنه ضرورة تاريخية ومرحلية وواقعية وكان لا بد من التقاء العمل النقابي مع العمل السياسي باعتبار أن كليهما يسعيان إلى خدمة المجتمع من خلال تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفق منظور واعتقاد كل من الطرفين وهذا التداخل والالتقاء كان وليد حاجة فرضتها مستجدات وتطورات وسائل الإنتاج وتعدد أوجه ووسائل الإنتاج الكبير( الإنتاج على مستوى التصدير) الذي كان خلف ممارسة نقابات العمال للعمل الساسي والذي بدأ بشكل مشاركة الدولة في وضع السياسات الاقتصادية وتنظيم وقيادة النقابات لإضرابات العمال الاجتماعية ضد ممارسات وسياسات أرباب العمل وأجهزة الدولة المختصة في العملية الصناعية ولم تكن مسيرة العمل النقابي يسيرة أو دون عراقيل أو مجابهة وذلك بسبب تعارض أهدافها وتطلعاتها مع مصالح أرباب العمل والطبقة البورجوازية وبسبب بثها لروح الرفض والمواجهة الثورية بين صفوف العمال وتنظيمها وقيادتها لإضرابات الاحتجاج ومظاهرات المطالبة بحقوق العمال وإنصافهم والتي كانت تسبب الخسائر المادية لأصحاب المعامل وورش الإنتاج الأمر الذي جعل منها هدفاً للطبقة البورجوازية وأصحاب رؤوس الأموال والساسة الذين لجؤوا إلى أجهزة الدولة ومحاكمها من أجل تعطيل نشاطها أو الحد من تطلعات قادتها أو حتى إلغائها خلال بعض الفترات الأمر الذي ألجأ قادة العمل النقابي في بريطانيا على وجه الخصوص إلى ممارسة العمل السياسي لحماية حقها في الوجود والحياة وترشيح عناصرها القيادية لعضوية البرلمان إلى أن تحقق هذا الهدف في بريطانيا عام 1906 إذ رشحت نقابات العمال الصناعيين وعمال سكك الحديد (50) عنصراً لعضوية مجلس العموم انتخب منهم (29) نائباً والذين تولوا في إثرها عملية تأسيس حزب العمال البريطاني ثاني أهم الحزبين اللذين يتناوبان على حكم بريطانيا ومنذ أعوام تأسيسه الأولى وحتى يومنا هذا كان من أهم ما سعى إلى تحقيقه هو إصدار تشريع قانون جديد لنقابات العمال وكان هذا في عام 1913  والذي أجيز بموجبه لعموم النقابات بمزاولة العمل السياسي بحرية وعلانية ومنذ ذلك التاريخ صار العمل السياسي أحد أهم حقوق وأنشطة نقابات العمال في معظم دول العالم وقد كفلته لها التشريعات القانونية بما فيها دول اعتمدت نظام الحكم الواحد لحكمها والأنظمة الديكتاتورية التي عملت على احتواء وتوجيه نشاطات النقابات السياسية أو حصرها في بوتقة التبعية وجعلها في مجال الدعاية والتنظيم للحزب الواحد.

من هنا يتضح أن نضال الطبقة العاملة كان أحد دعامات بناء الديمقراطية في المجتمع الحديث وأن جهدها السياسي كان ثورياً وبناء بامتياز وأنه من بين أهم شروط تحقيق العدالة الاجتماعية وإذابة الفوارق الطبقية بين شرائح المجتمع وتحقيق مجتمع المساواة والكفالة الاجتماعية.

كما أن نقابات العمال كانت حجر الزاوية في تأسيس فكرة وممارسة المجتمع الأهلي وبث ثقافته بين شرائح المجتمع الإنساني التي كانت تحكمها الروح الطبقية في ظل مجتمع الامتيازات ونزعات التسلط تلك الفئات التي تحكمت بالمجتمع الإنساني قروناً طويلة.

ومن هنا يتضح أن ممارسة نقابات العمال للعمل السياسي لم تكن ترفاً أو طموحاً عرضياً وإنما كانت حاجة فرضتها ظروف المجتمع الإنساني والعملية التاريخية في نهوض الطبقة المسحوقة بروحها الثورية لتزيح عن كاهل الإنسانية عبء ومعاناة وقهر الاستغلال والابتزاز والعبودية التي فرضتها نعرة الروح الامتيازية التي أنتجتها قرون حكم الإقطاع ووراثة الأرض والعامل والفلاح.

ولعلنا لا نبالغ إذا صنفنا سبب بقاء كثير من الدول ومنها بعض الدول العربية تحت حكم أنظمة تحاول تغييب واحتواء نقابات العمال والسيطرة على مجالس إدارة الهياكل النقابية التي أنشأتها بقرارات سياسية لغرض تجميل صورتها أمام العالم المتمدن دون السماح لطبقاتها العاملة بتشكيل نقاباتها الحرة والمستقلة عن توجيه وعين الرقيب السياسي ورجل الأمن الذي يعتبر العمل السياسي من أولى محرماته ومحظوراته لعموم شرائح المجتمع.

ولا بد لنا من القول: هناك قطاعات من العمال لا تنتمي إلى نقابة إذ لم تستطع أن تكون لنفسها نقابات كي تدافع عن نفسها وذلك بسبب ضيق أفق المفهوم النقابي الذي أدى إلى عدم وجود نقابات تستحوذ كافة الفعاليات الاجتماعية والإنتاجية في البلاد.

ولعل أهم ما يجب العمل به والسعي إليه هو وضع عقوبات صارمة على كل من أرباب العمل والنقابات وعلى من يخالف أنظمة وتشريعات العمل النقابي والعمال فكثيرون من أرباب العمل يطلبون من العامل قبل البدء بالعمل التوقيع على براءة ذمة تتضمن اعترافاً من العامل بأن ليس له أي حق في المطالبة بتعويض من رب العمل إذ يستطيع رب العمل بموجب ذلك التصريح فصل العامل في أي وقت يشاء ودون أي تعويض يذكر ويبقى العامل جراء ذلك يعيش في واقع مأساوي ومستقبل غامض وبائس.

وأيضاً فإن الكثير من أرباب العمل يعتبرون أن عدم تسجيل العامل لديهم في سجل التأمينات من محاسن الأمور ومفخرة يعتزون بها أمام الأصدقاء.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة