سنقرع بوابة الحضارة

العدد: 
15212
خميس, 2018/02/01

رغم كل الأمواج الزائفة والعواصف العاتية والبراكين المتفجرة التي تستهدف إقصاء العرب براً وبحراً وجواً لجعلهم حكايات أسطورية للتاريخ .. وعلى الرغم من أن واقعهم الحالي مع إطلالة القرن الواحد والعشرين يكاد يؤكد لكل شاهد على الزمان أنهم قاب قوسين أو أدنى من أن يصبحوا نسياً منسياً .. فمنطق التاريخ وفلسفة الحضارات يؤكد عكس ذلك بحدود 180 درجة.

فكل ذي وعي بأبجدية الحضارات يعلن أن الإغريق والرومان سرقوا التفجرات الإبداعية للهلال الخصيب من شواطئ البحر السوري بدءاً من أضنة ومرسين واللاذقية وبيروت وحيفا ويافا وانتهاء ببابل ونينوى وشط العرب، ومن يخامره الشك في ذلك فليسأل فيلون الجبيلي وأندريه بارو عن الإبداعات التي اختطفها الإغريق والرومان وسواهم بدءاً من اختراع الدولاب والفلسفات وصولاً إلى عيد الحب الذي سبق لي أن سطرت عنه دراسة سريعة تم نشرها في الصحافة السورية.

أما عن نهب الغرب السياسي للحضارة العربية الإسلامية فليسأل المستشرقة الألمانية زيغريد وأمثالها من عظماء الغرب بدءاً من الصفر الحجر الأساس في تطور العلوم الحسابية والرياضية وصولاً إلى البنتاني مكتشف كروية الأرض قبل كوبر نيكوس بـ 600 عام ونيف ومروراً بابن النفيس الذي حدد مسارات الدورة الدموية في الإنسان منذ مئات السنين.

ومع كل ما يحيط بنا من محن وفتن ومؤامرات فإننا عائدون إلى الإسهام في حضارة المستقبل شاء المتآمرون من العدى ومن يتماشى معهم أم أبوا .. فصورة الجغرافيات العربية في العصر الحديث تقيم دولاً لا تستهدف تنظيم المجتمع بقدر ما تستهدف التحكم به كما يتحكم الأمير بالأسير وذلك لعدم وجود سلطات تنظيم المجتمع وفق لوائح القيم الدينية والأخلاقية والمعطيات القانونية التي يتضمنها الدستور وواقع الحال في القاع العربي في غرب آسيا وشمال أفريقيا يؤكد ذلك.

وهذا يعني ضرورة بل حتمية إقصاء أحلام الكهنوت السياسي من الوصول إلى الحكم واستبداله بالوصول إلى الحوار تجاوزاً لكل القنوات الطائفية والحزبية والعشائرية والقومية والاستمساك بالحس الوطني وكل مولدات المحاور الثقافية التي تعبد لنا دروب المستقبل.

أذكر فيما أذكر أن رجلاً التقى صباحاً بابن المبارك وهو من كبار التابعين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية إتمام مهمة آل بيت رسول الله وصحابته فقال له: يا بن المبارك إذا جاءك ملك الموت في هذه الساعة المبكرة وقال لك: يا بن المبارك إني قابض نفسك عصر هذا اليوم فماذا تفعل في هذه الساعات المتبقية لك من الحياة؟

فبماذا أجاب السائل؟

لم يقل له أتوضأ وأباشر في الصلاة حتى ساعة الرحيل ولم يقل أفتح القرآن أتلوه ما استطعت حتى غرغرة نفسي في الحلقوم، ولم يقل أباشر الصلاة على الرسول الكريم كما لم يقل أوزع على الفقراء والمساكين ما وسعني التوزيع وغير ذلك، وهذا كله مهم وضروري لكنما هناك ما يحقق تفعيل ذلك كله ويوطد حضوره الإيماني والمعقلن على مدى الحياة وما بعدها.. ولهذا قال ابن المبارك للسائل: أقوم بطلب العلم ما استطعت في هذا الساعات المتبقية لي.

ولم تغمرني النشوة مرة كما غمرتني وأنا أقرأ حكاية ابن المبارك والسائل .. ولهذا رحت أقضي ساعات طويلة من الليل والنهار متفكراً في خلق السماوات والأرض ومن فيهن متأملاً آيات الله في كل مكان .. حتى إنني كنت أخاطب أحياناً قمر السماء ونباتات الزهور الموجودة في الشرفة فأبادلها الهمسات مع عذب الكلام. وقد اكتشفت سر الحضارة العربية الاسلامية من جواب ابن المبارك (أقوم أطلب العلم) فبالعلم نتعالى على الشرك بالتوحيد المطلق، وبالعلم تقوم الحضارات على طول امتداد التاريخ .. وبالعلم تحظى بمقعد صدق عند مليك مقتدر .. لقوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

هذه واحدة .. أما الثانية فتتمركز حول مقولة: (لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع). أذكر فيما أذكر أنني قرأت في أسفار التاريخ أن أحد الملوك كان يداعب حفيده وبحركة لا إرادية من الطفل دخل أصبعه في عين الجد وأخفق الأطباء في العلاج حتى دعت الحاجة إلى اقتلاعها فقال له كبير مستشاريه الذي كان يحظى باحترام الجميع لحكمته في أقواله وتصرفاته: أنت بجلالك العظيم ملك الزمان وقد يصدق قول القائلين من الحكماء: لو اطلعت على الغيب لاخترت الواقع.

فغضب عليه الملك وطرده طرداً مهيناً وذات يوم كان الملك في رحلة صيد يطارد مجموعة من الغزلان حتى ضل الطريق وفقد مرافقيه واخترق دون أن يدري حدود مملكة مجاورة فاقتنصه جماعة من الحرس وساقوه إلى حاكم بلدهم الذي اعتاد أن يقدم في كل عام قرباناً للنار رجلاً غريباً ولكن عندما رآه الحاكم أطلق سراحه لأنه بعين واحدة فإذا قدّمه قرباناً للنار فستغضب وطلب من عسكره البحث عن رجل آخر كامل الأوصاف. وهنا توجه الملك إلى دياره وهو يردد: لقد كان مستشاري على حق فلو اطلعنا على الغيب لاخترنا الواقع.

 وقد يطلق بعضكم بسمة ساخرة من هذا الحدث الأسطوري وأنا بدوري أقول: من حق كل امرئ أن يرى ما أقول من وجهة نظره الخاصة في الوقت الذي أسمح لنفسي باعتمادها ولو رمزاً فقد تعيد الفتن والمحن بعض الناس إلى جادة الصواب وإنني لأرى خيرها في تجاوز الخلافات العقائدية والطائفية والاستمساك بأبجديات المواطنة نظرياً وعملياً وأظن أنني أفعّل ذلك في حياتي الخاصة والعامة فأنا سوري عربي مسلم أحقق تجاوزاً للاختلافات العقائدية والطائفية والعشائرية وسواها تفعيلاً للمواطنة في كل مستوياتها وأظن أننا على موعد ليس ببعيد مع هذا السلوك لتفعيل المواطنة سورياً وعربياً وإسلامياً لأننا على وشكٍ اختراق بوابة الحضارة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة