الهوية الوطنية ما لها وما عليها

العدد: 
15216
اثنين, 2018/02/05

يعد مفهوم الهوية الوطنية متشعباً وإشكالياً بحد ذاته ويرتبط ارتباطاً مباشراً بطيف من العوامل المؤثرة البنيوية والذاتية ذات الطابع المتحول والطبيعة المتغيرة.

لقد كانت الهوية الوطنية طوال عقود عدة تمثل أمراً مبجلاً من وجهة نظر السلطة الوطنية ولكن دون الفهم العميق لطبيعتها والعوامل الاجتماعية والخارجية الداخلية في تكوينها، ومما لا شك فيه أن أحد أهم استهدافات هذه الحرب الإرهابية التكفيرية الكونية على سورية خلال السنوات الماضية يتمثل في ضرب نسيج المجتمع والهوية الوطنية بكل صورها وأشكالها وتجلياتها والتي هي بالأساس وحسب معطيات الواقع ضعيفة ومتصدعة وقابلة للانهيار حتى قبل أن تشب نيران هذه الحرب.

وقد أظهرت الحرب في منعكساتها مدى الصدمة تجاه الهوية الوطنية والتجانس الوطني وكشفت مستوى الخلل والترهل في مكونات الهوية ومقوماتها وبنيتها، حيث تجلى المشهد العام الاجتماعي إما من خلال هويات فوق وطنية وخاصة الحركات الإسلامية أو العروبة أو أشكال أخرى، وإما من خلال الالتفات إلى مستوى هويات تحت وطنية سواء مناطقية أو عشائرية أو طائفية ...الخ ومن هنا ظهرت الحاجة الماسة إلى سبر أغوار المجتمع والغوص في عمق المشكلات التي نعاني منها كسوريين في تحديد معنى الهوية الوطنية ومدى ارتباطها بالبعدين العربي والإقليمي.

وفي غمرة هذه المفارقات والإشكاليات وبحكم المنطق تبلور رأيان ضمن صفوف النخبة الفكرية والثقافية.

الرأي الأول:

يرى  أنه منذ بناء الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال في عام 1945 ارتبطت الهوية الوطنية بمفهوم العروبة وتحديداً بالقضية الفلسطينية، لذلك فقد أغفل الكثير من الأسئلة  التي كان من المفترض الإجابة عنها وأضحى هذا الارتباط بمثابة المانح للشرعية، ومع تداعي المشروع القومي في تسعينيات القرن الماضي إلى جانب تداعي المشاريع اليسارية المترافقة مع انهيار الاتحاد السوفييتي ونتيجة الفراغ أصبحت الظروف مهيأة لتغلغل هويات فوق وطنية وتحديداً الهوية الإسلامية التي يتم تغذيتها بفعل التدخل الإقليمي والدولي، وهذا التدخل يستهدف تقسيم المنطقة وتدمير النسيج وتهديد الوجود ورسم السياسات التي تلبي مصالحه وتطلعاته.

الرأي الثاني:

يرى أن العروبة لا تتناقض مع فكرة الدولة الوطنية الحديثة التي تدافع عن حدودها وتحمي أبناءها ومؤسساتها بكل الأشكال والوسائل الممكنة ويعتبرون أن الفكر العربي هو منتج عابر للحدود وثقله الرئيسي ينطلق من بلاد الشام وبلاد الرافدين، ومنهم من ذهب إلى القول: إن هذه الإشكاليات في الهوية الوطنية زائفة وإن الهوية القطرية الضيقة هي من صنع المستعمر لا سيما اتفاقية سايكس – بيكو.

لا يمكننا التفاؤل كثيراً ببعض المحاولات النخبوية التي تقدم هنا وهناك لصون المجتمع وحمايته من المشكلات والاضطرابات في جسد الهوية الوطنية وبنيتها ولكن في المحصلة يتوجب النظر إلى جوهر الهوية برؤية شاملة واعتبارها كائناً حياً يتغير بتغير الزمن والأفكار والمعطيات الديمغرافية والثقافية وكل هذه العناصر تتداخل وتكون الحراك العام الذي يكسب الهوية الوطنية شكلها ومضمونها.

علينا كسوريين بعد أن تضع الحرب الإرهابية أوزارها الإجابة عن أسئلة كبيرة تخص مركز حياتنا ومستقبلنا فمن نحن؟ وماذا نريد؟ وأي وطن نريد؟ وأي عقد اجتماعي ووطني نريد؟ ما الذي يجمعنا؟ وما الذي يفرقنا؟ ما هي مكامن القوة ومكامن الضعف في حياتنا؟

من المفيد القول: إن مرحلة إعادة الإعمار والإصلاح وإعادة بناء الإنسان وترميم التشوهات النفسية والأخلاقية والقيمية التي أنتجتها الحرب والتأسيس لعقد اجتماعي عام واسع ومتنوع ومرن، أصعب بكثير من مرحلة الحرب وويلاتها على الرغم من قسوتها ووجها القبيح، ولذلك فإن المطلوب من النخب والمفكرين ومراكز الأبحاث والدراسات وأصحاب القرار إطلاق شرارة البحث في موضوع تحديات بناء الهوية الوطنية وتجلياتها في حياة الناس وفي الأدب والتراث والثقافة والعمران والمعلوماتية وحتى على نطاق تربية الأطفال وقطاع التربية للوصول تراكمياً إلى أن نكون جزءاً لا يتجزأ من القيم والسلوكيات السائدة في المجتمع.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أيهم ناعسة