اللوحة بين الرسالة والخبرة التقنية في قلق الوجود والذاكرة البصرية

العدد: 
15220
جمعة, 2018/02/09

دائماً هناك فن يعتبر حالة من الاحتجاج على السائد والمكرر والمعاد عرضه، فالفنان عبد المحسن خانجي يقدم في صالته بحلب معرضاً جديداً استهل به عام 2018 تحت عنوان " تداعيات الإنسان والكون " بأحجام كبيرة ومتوسطة مشغولة ليكون بحثاً تشكيلياً يذهب به مع الغموض إلى حدوده البعيدة ليربك الزائر بالأسئلة الوجودية ويتركه وحيداً يخوض غمار تلك المساحات البصرية المشغولة بتقنية الألوان الزيتية، وفق تداعياته الشعورية واللاشعورية على حد سواء.

لوحات الفنان خانجي مساحات تُخفي وتضمن وتأول أكثر مما تتصور، وأي انطباع يأتي مترافقاً مع الحذر، والإفراط في التركيز يأتي على مساحات ذات حساسيات خاصة، ترى الأشياء بتحولاتها التي تبرز أشياء وصوراً جديدة وطاقة من الأحاسيس وهي إذ تبحر في الخيال إلا أنها شديدة الوعي.

نجد في لوحات الفنان خانجي اللطف في الشاعرية مع جدلية فكرية تنتقل أساساً من الموضوع المحاك بالتكوين القوي، وهي مرتبطة بشكل وثيق بالتقنية الخبيرة وفق الصيغة الشكلية التي تعبر عن جوهر الفكرة بحيث يحاول ربط الوحدة بين الشكل والمضمون، حيث تتحقق وفق مستويات متعددة مع شكل التعبير عن  المفردات الرئيسة، فالضوء وسلوكه وطريقة انتشاره من السكون إلى الحركة على سطح اللوحة يعتبر الهيكل الأساس الذي تتركب فيه المعاني والعناصر الأخرى التي تتشكل وفق توازن مضبوط وتتمثل في تشكيل لوني يعبر عن حالة كونية داخلية أو خارجية.

والملاحظ أن الفنان خانجي كان يناقش صورة الكون، لأن الكون يقوم على صيرورة الطاقة وليس المادة المصمتة وهذا ما سعت إليه الأساطير لإثبات أن أصل العالم هو النور وليس المادة.

وتتشكل هذه الحركة كحالة قماشية متجمدة وكأنها هيولى بركانية تجمدت بعد انفجارها كمستحاثات إنسانية وحيوانية ونباتية فتبدو صلبة بصلابة الصخر ونسيجه، ويتشكل  ضمنه تجسيد من الوجوه والأشكال الغامضة، تحيط به مساحات متفاعلة من الغبار الكوني وفق الأشكال الملموسة والمحسوسة والصيغ والمفردات التجريدية التي تنحو نحو الغموض، ونجد في هذا الفضاء بين تتالي الانطباع وإيقاعات الأحاسيس وسيلان الفكرة تشكل مساحة  مهيأة الإطار تعكس الصراع الأبدي بين العقل والحدس المادي، حيث أن اللوحات كانت تفيض خارج الحدود المحددة لتتسع لكل صراعات الرؤى المتناقضة والمنسجمة حول شكل ومعنى الكون، وجاءت نتيجة أسئلة استقاها من متابعته واطلاعه على  ذروات المعارف الفيزيائية وذروات التجلي الديني وتكاد تكون متطابقة في الرؤية الشمولية حول جوهر الكون مع  الصيغ الصورية التي ظهرت من خلال تلك اللوحات.

إن هاجس الفنان محسن خانجي حسب ما عبر في معرض شرحه لأسلوبه هو تقديم الجديد من خلال جمع أساليب فنية تشكيلية عدة وتقديمها كبحث تشكيلي جديد ومتفرد، وبرصد هذا الأسلوب ومتابعته تفاصيل العمل والمعنى نلاحظ محاولته لجمع صيغ تعبيرية تكاد تصل إلى الاستحالة وتحمل قدراً كبيراً من الحذر من حيث المحافظة على وحدة العمل وتوازنه، فالصيغ التجريدية للتعبير تبتعد عن الحالة اللاشعورية من حيث تشكلها أساساً.

فتعدد الأجواء يبتعد بالعمل نحو حالة غير مركزة، لكن في لوحاته وبنتيجة طبيعة الطرح الفكري وشكله فقد حاول أن يجد حلولاً بصرية منسجمة وفق شكل العمل وطبيعته، وفي التكوين الفني اتخذ حالة تجريدية من حيث التأليف والمفردات المختلفة والرموز التي عملت على مسح الموضوع بشاعرية عميقة في حالة تعبيرية تجريدية قوامها اللون الأحادي مع حالة من الرمزية ضمن شكل ما من الأجواء السريالية.

يقدم الفنان خانجي حركة جمالية يزيدها إثارة بالغموض للتعبير عن صورة تجلي المعنى السامي الفائض بالحيوية والقوة التي تخترق الطبيعة إلى حالة غير مدركة، وبهذا العمل الذي امتد على جزأين متصلين حالة من موسيقا الاتزان المتجدد الخالق والموحي، وهي شديدة التعقيد والبساطة، وتفيض بهالات من الإضاءة البنفسجية المقدسة، نشعر فيها بفضاء من الحيرة التي تعاني من الاختناق والتنفس حيث تتحد الذاكرة البصرية مع سطحها وجدارها المادي، وأي قراءة للوحات الفنان خانجي تحتاج إلى الوقوف مطولاً عند حالة الشك والارتياب، وتصطدم أمام الجدران، هل هي  قراءة نصية بصرية  أم هي مضمونية سردية أم أيدلوجية وفكرية ؟!

فالحالة البصرية حيث الوجود على سطح اللوحات يتمثل في مزج اللون والحت والتعرية وكأنه يستعير عوامل الطبيعة كممارسة تشكيلية يؤكدها الاختزال اللوني في بعض الأعمال حتى يبني رؤيته على السند الأساسي من العتمة والنور، وتمنحها الصبغات اللونية والمراجعة التشكيلية المتتالية، وكأن وجوه وأجساد أصدقائه تسيل من الفرشاة بشيء من الإبهام والغموض.

اللون الواحد الذي ينسكب ويسيل على سطح القماش بين الخيوط راسماً الهذيان والهواجس والحنين إلى عتمة كونية صرخت بعيداً أو إلى ضوء هارب من آلام وصراخ المادة والولادة فتشكل نوعاً من البوح البعيد لأحلام الطفولة والقلق والانكسار بمرايا الزمن.

 (في هذه المرحلة تنحو اللوحة نحو دلالة الرمز حيث العلاقات الشكلية أساس الوحدة فنجد الكوكب - الشكل الكروي باللون الواضح والصريح - زمردياً أو برتقالياً - يؤسس لروحية مختلفة تقوم على " التجريد الهندسي").

لكن عملية وعي كينونة اللوحة تتم من خلال شرطها الوجودي المرتبط بإدراكه العميق للوجود أساساً، وفق هذه الخاصية تتشكل تحولات اللوحة عند الفنان خانجي ولكن وفق الحالات النفسية وحالات الامتداد والانغلاق من فرح وحزن وقلق وطمأنينة يمارس مع سياقها لعبة الكون.

وفق هذا ندرك روحية التركيب التي يحاول الفنان محسن جمعها فهو حتى بالتجريد يحاول أن يجد سبيلاً كي يدخل في النقاش الفكري التصويري عند "كاندينسكي" بمقارنة مع " بول كلي" وإذا كان الفرق الأساس أن الأول كان يستخدم المفردات الهندسية الواضحة في تجريداته بينما كان يرى فيها الثاني إشكالية نظرية ولمسية بين الأنظمة الكونية.

الفنان بول كلي كان تجريده إشارات ورموزاً من رحم الذاكرة السحرية التي ظهرت من العلاقة بين الذات المبدعة والذات الكونية.

وينتقد الاعتياد على حالات وأفكار إبداعية لم تناقش أو يعاد دحضها .. يهتدي بعد فقدان الأدلة إلى دروب وعرة من الحنين بعد أن يعيد الحوار مع حالة التحطيم للأشكال وإعادة بنائها بمنطق " بيكاسو" لكنه متمسك بدفة الواقعية الشاعرية فوق سفينة تتخبط بصراع الأمواج في عرض المحيط ليقودها إلى ولادة سليمة.

والمراقب المهتم للوحة الفنان خانجي يجد براعته في القبض على الصدفة والطفرة فهو يخطفها من تحت اللهب ليسجلها مشحة معبرة عن شيء من المعنى. ولا تستطيع أن تخيل تلك الروح بداخله غير إيقاع عتيق منذ البداية ووفقه تأتي لحظة الحياة " الولادة " أو الموت ". ربما لهب يتأجج بالفرشاة بذروة الاشتياق والوجد، تضربه صعقة تفجر الصراخ فيتضح الشكل والخط. تجربة قدرية لا تقبل فيها حالة اللوحة أي إزاحة أو تعديل وإلا وصلت إلى حدود تفتت المادة الصبغية والعودة بها إلى العدم. تبدو هذه الحالات الهائجة سواء جرت على جدار اللوحة قدر الروح البدائية التي تلبسه منذ الأزل ولكن دون أن يقع في الفوضى.

هذا من جانب ومن جانب آخر هناك تعدد الأزمنة بين النسبي والزمن المطلق، حيث الصور التي تحضر إلى اللوحة تنصهر في كينونتها، اختيار لحظة توقف العمل في مرحلة لم تكتمل بعد دون أن تكتمل السطوح والخطوط والأنسجة إلى الصقل الكافي. تتالى اللوحات التصويرية التي حاول الفنان خانجي أن يعد لها مسرحاً ذهنياً وبصرياً يقوم على رصد جمالية الجزيئات والفراغ والضوء والحركة ويحاول استنتاج مدى جمالي بصري لها من تحولات المادة وتقنية اللون وكيفية تكثيف كل الحقائق والأفكار والتصورات إلى مادة فنية.

هذا البحث تشكل على مدى زمن ممتد في تجربة الفنان ومرتبط بوجوده وبفضائه وأفكاره ورصده الخبير عبر سنين لحساسية المادة وصلابتها ونسيجها وتحولاتها.

يتناوب الإيقاع الحسي بتتالي اللوحات ويزداد الارتباك العاطفي بعد الانعطاف إلى مستوى آخر من التعبير من خلال تطعيم اللوحة بسرد من المفردات التصويرية حيث تنعطف الرؤية إلى ناحية الفكرة ونقدها برؤية بصرية تشكل موقفاً تجاه قضية وجودية تعبر عن الكون والإنسان وموقفه المحدد تجاه الحياة والموت.

العمل الذي يصور التناقض بين حالة الولادة وحالة الموت شكّل صورة الإنسان في الحالتين بفضاء من اللون البني الغامق الموشح بلون آخر كرمز الانعتاق، إذ يتناول الإنسان بحالة وجده الصوفي التي تعبر عن العلاقة بين الإنسان والخالق، ويأتي بصرياً بتحليل التصور إلى أن يبني معناه وفق تكوين هرمي مرتبط شكلاً ومضموناً بالتعبير عن الصورة في محاولة لتفسير عملية الاتحاد من خلال المعادل البصري. وكأنه اتخذ معنى "الانعتاق " كسبيل للبحث بأن هناك مجالاً لتفسير القلق الوجودي من خلال الإيمان بالحب الإلهي في سبيل ارتقاء النفس بعواطفها إلى المعنى والحقيقة ويأتي العمل بتقنية عالية من الرسم واللون.

وكمعادل للبصيرة والتبصر في سبيل تفسير حالات النفس الكونية وتشكيل مناحي وفواصل لمسية عبر الخطف بالنظرة، العين القادرة على الولوج إلى أكثر الأغوار غموضاً بحثاً عن المعنى.

تجربة الفنان محسن خانجي الطويلة الغنية بتنوعاتها ومشاربها كانت في هذا المعرض تكثيفاً جمالياً محضاً لتأملاته ومشاعره المرتبطة بنوعية عمله الفني.

بداية السؤال: هل هناك طرح حداثي جديد مختلف عما قبل ويطرح أساليب جديدة ومختلفة بتناول اللوحة التصويرية من حيث الرؤية وتكثيف المشهد مع الإحساس وفق صراع الأفكار؟

يأتي هذا المعرض كشهادة حية حرة ومتفاعلة مع الأحداث والعالم، بظل ذاكرة شاعرية، وتراكم خبرات وجدانية حسية مع هذا الواقع، هذه الشهادة مرتبطة أساساً بحياة اللوحة من خلال الشرط الوجودي الذي تستنشق به أوكسجينها الأول. والعمل الفني " اللوحة " لم يكن على الحياد، هو جزء أساس من هذا الصراع الوجودي، وما هو إلا شهادة أمام خطر الدمار في الحروب الداخلية والخارجية – هو سؤال عن الحياة الأخرى في الكون الكبير.

حلب
الكاتب: 
ثائر هزي