كشف النقاب عن جراحاتنا !!

العدد: 
15225
أربعاء, 2018/02/14

أعجبتني مقولة (روزفلت): (تكلم برفق واحمل عصا غليظة) ومعنى القول: كن حكيماً مقتدراً ودبلوماسياً رصيناً حصيفاً وكن قوياً بكل عناصر القوة ... ويقول بوشكين: (العبقرية والشر لا يجتمعان وإن من يخدم الأشرار فهو أدنى دركاً منهم). والتعصب هو هرطقة ساقطة واعتقاد باطل لأنه يعادي الحقيقة ويعتبر غيره باطلاً مهما أوتي من الحجج البيضاء والبراهين الدامغة.

خلقت الغريزة لحفظ البقاء البيولوجي .. وفطر الضمير الإنساني والارتقاء القيمي والحياة تتدحرج بين المتناقضات وتترنح بين الإيجابي والسلبي، بين الحق المشفوع بالقوة والشر الذي يتلظى دخاناً أسود .. وإن اعتماد العقل على القيم التي يصنعها ينتج سلوكاً عقلياً وأخلاقياً، واعتماد العقل على الدوافع ينتج سلوكاً عقلياً ولكنه غير أخلاقي، فالسلوك العقلي القويم هو الالتزام بالمثل العليا وذلك لأن العقل هبة الله، فالكون قائم على التوازن والتنسيق المحكم بدءاً من الكواكب والمجرات الهائلة وانتهاء بالكائنات، والإنسان عينة أو نقطة في دائرة الكون المركزية فكل خلل في جسمه يؤدي إلى فقدان توازنه وكل خلية في بدنه تؤدي مهمتها بإتقان دقيق وذلك لاستمرار الحياة البشرية والحفاظ على الارتقاء نحو حياة سعيدة مطمئنة.

يروى أن تشرشل سئل عن توقعاته إبان الحرب العالمية الثانية فقال: (لن نهزم ما دامت العدالة قائمة في بلادنا). قال هذا القول في الوقت الذي كان فيه الألمان في زهوة انتصاراتهم وطائراتهم المحلقة في سماء لندن تدك بلادهم دكاً شديداً.

إن الصديق الحميم الذي لا يفارق صاحبه بعد الموت هو العدل والإخاء والتسامح ومحبة الآخرين، فكل شيء سواه يفنى بفناء الجسد.

فهذا عمر الفاروق بوحي من ضميره الحي وإيمانه الراسخ وعدله الفائق يقول: (لو ضاعت شاة على شاطئ الفرات لكان عمر مسؤولاً عنها) فالعدل أساس الملك وعماد الأخلاق ودليل رقي الأمم وفقدانه يعني انتشار المفاسد من رشوة وسرقة ومحسوبية وتباغض وأحقاد ونهب الممتلكات والعودة بالأمة والبلاد إلى غابات موحشة قاتلة.

إن تحقيق العدل ينطلق من الخلية الأولى في الهرم الاجتماعي للأمة، ذلك هو المؤشر الأول في بناء المجتمعات نحو الإعمار والبناء، فمن خلال أسفاري في ربوع وطننا العزيز ألتزم الصمت، وأسمع حكايات المسافرين، فألاحظ نماذج شتى من المتناقضات، نساء بأيديهن الهاتف المحمول يتحدثن عن الموائد والملذات ومدح الذات وكشف عيوب الآخرين والغيبة والنميمة والأكاذيب المزخرفة والإسراف والتبذير. يتحدثن بهذا الحديث الخاوي من كل المعايير الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية، وألاحظ في النوع الآخر مصلحته الشخصية، ولا يستيقظ ضميره في نكبات الآخرين ومآسيهم، ويعتبر كل واحد منهم سياسياً بارعاً يدافع عن مصالحه الشخصية وعن مريديه من أتباعه، ويقدم نفسه على أنه السياسي الذي لا يشق له غبار وعلى أنه حامي الديار !! ومن خلال لقائي مع الكتاب المخضرمين المعاصرين أجد لفيفاً منهم كأن بالأمس غائباً واليوم حاضراً يميل كلما مال الميزان، وفئة أخرى جفّت قريحتها وتعيش في عالم الخيال الطوباوي الدونكيشوتي، متجاوزة ظروف الزمان والمكان، وتحيا في عوالم مجهولة غامضة، ونخبة أخرى تكتب وتنتشر في الصحف الوطنية، يملي عليها واجبها أن تقول الحق سواء نشرا أم لم ينشر، عسى أن تكون كلماتها نبراساً للتائهين، وجماعة أخرى تنفخ في ذاتها وتتضخم نرجسيتها بأنها هي المعصومة عن الأخطاء، وأنها هبطت من ملكوت آخر، وبأنها الأجدر في قيادة راية الثقافة، وفئات أخرى ترى نفسها المخلصة والمتفانية لأمتها، غير أنها تنظر بمنظار قريب.

إن الكنز الثمين والجوهر المشع اللؤلؤي الذي فقدناه هو الثقافة، ثقافة تعني أن إيثار الهوية الوطنية ومحبة السوري للسوري ومحبة الإنسانية فوق الاعتبارات الأخرى، ذلكم هو الوعي الوطني الإنساني الناهض، وهو ترسيخ للصدق الوطني في الصدور والثقة بالنفس وبالآخرين ونبذ وجوه الحرباء واستئصالها من جذورها في مقر الأفئدة. إن سعادة الفرد جزء من المجموع الكلي ولا يمكن للفرد أن يكون سعيداً إذا كانت الأمة في بؤس وشقاء. وقد أعجبني ما قاله أحد الشعراء في وصف الواقع الذي نعيشه:

ما كان في ماضي الزمان محرماً    للناس في هذا الزمان مباح

صاغوا نعوت فضائلهم لعيوبهم      فتعذر التمييز والإصلاح

والفتك فن والخداع سياسة        وغنى اللصوص براعة ونجاح

والعري ظرف والفساد تمدن         والكذاب لطف والرياء صلاح

إن إصلاح واقعنا مرهون بسلوكنا إذا التزمنا العدل والتسامح النبيل واحترام الملل والنحل. سئل أحد الفلاسفة السؤال التالي: إذا كان الله قد خلق آدم على مثال صورته فهل أنت في الله أم الله فيك؟ فأجاب الفيلسوف: هذا السؤال باطل الأباطيل، أحدهما يؤدي إلى الشرك وثانيهما يفضي إلى الاتحاد والحلولية، وتابع قائلاً: هل معك مرآة؟ فانظر في تلك المرآة ألا ترى صورتك؟ فقل لي: هل أنت في المرآة أم المرآة فيك؟ فذلك مثل الله في آدم وصلته بعباده فليس كمثله شيء، لا يحل في شيء ولا يقارن به شيء، فهو الخالق البارئ المصور فتبارك الله أحسن الخالقين!! فأخذ السائل يهرطق!!

العظماء يتركون بصمات ناصعة في مسيرة الإنسانية المعذبة ويصبحون منارات تهتدي بهم الأجيال أما الإمعات فإلى مزابل التاريخ يتجرعون اللعنات!! أصحاب العقول المضيئة والنفوس البريئة يطلبون العدل والإخاء فالعدالة هي أم الفضائل والصدق أبوها. والظلمات هي أم الرذائل والكذب أبوها ... أنا لا أحصر اللوم في أولئك النماذج من الكتاب والمنظرين   والمفكرين والأدباء والشعراء المزيفين الخلبيين بل إن اللوم الأكبر يقع على من يوافقونهم قولاً وزوراً وعملاً مأجوراً، الذين يقبلون التزوير والتزييف وغالباً عن دراية ... والمصيبة حينها أمرّ وأكثر استفحالاً ... وفي الوقت ذاته تعيق كل فكر صائب وتحاول خنقه بطغيان الرياء والنفاق ... ذلك الاحتضان البائس الذليل الذي يعتلي صدارة الواقع حتى هذه اللحظة ... إن الركض وراء المال والسعي نحو الشهرة الزائفة وتلوين الوجوه بالمكر والخديعة هو سراب كاذب ومحصلة خاطئة ومخزية.

العاقل الحكيم يفضل سلام أمته ورخائها على منافعه الشخصية، فلله در من قال:

لا تعجلن فليس الرزق بالعجل      الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل

فلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا     لكنه خلق الإنسان من عجل

وقال آخر:

يزيد الفتى في الناس جودة عقله   وإن كان محظوراً عليه مكاسبه

ذلك هو الترياق الشافي لإصلاحنا واستنهاضنا من كهفنا المسحور وسكراتنا الهستيرية التي هدمت الحرث والنسل ... وإن تمادينا فيما نحن فيه فسوف نلقى الأجل المحتوم ... إلى ربك يومئذ المساق والعقوبة للطغاة.

القانون يعلو ولا يعلى عليه ... وتحت ظلال العدل فلا أحساب ولا أنساب، فتحيا الشعوب والأمم وتزدهر الحضارات الإنسانية. ففي إحدى الروايات في عصر الإمبراطور الفارسي كسرى أنوشروان يروى أنه كان صارماً ومستبداً وكان يركع الناس أمامه، غير أنه كان يسجد للقانون فإذا دخل على القاضي ينحني أمام القضاة، ولا يتورع عن تنفيذ القانون على أقرب المقربين إليه، وقد أمر بإنزال أقصى العقوبات بأحد أبنائه حيث أنه ارتكب جريمة القتل دون وجه حق بأحد أبناء الفقراء.

فالقانون هو العدل بعينه .... يحمي الأمة من التفكك والانهيار، وهكذا بقيت إمبراطورية الفرس إلى يومنا هذا متينة قوية لأنهم طبقوا أفعال أجدادهم وورثوا من سلالتهم العدل والوعي الوطني الحضاري التليد.... ففي كل خريفنا البائس الحزين تحكى حكايات الأوراق الساقطة ونباتات الأشواك الدامية وتتهاوى الويلات في أعماق القبور.

وختاماً واقعنا الدموي الحزين أحدث تبدلات جذرية كارثية ... فأسكن قوماً القصور وأورث غيرهم القبور، إن مقارعة النفاق بقوة الحق والثبات على الهوية الوطنية السورية ورسوخها برسوخ اليقين هي الضماد لجرحنا البليغ.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
جعدان جعدان