الأيديولوجيا ومرحلة الموت السريري

العدد: 
15225
أربعاء, 2018/02/14

ما هو مستقبل الأيديولوجيا؟ وهل دخلت في الموت السريري؟ بمعنى أنها موجودة في الشكل وغير موجودة في مضمون السياق العام لحركة المجتمع ونشاط الناس، حيث يلاحظ في التشخيص والممارسة تبلور نمطين في التفكير وأسلوبين في طرق التعاطي والأداء.

الأول: هو النمط المؤدلج سابقاً ضمن أحزاب أو منظمات أو اتحادات ... إلخ، ويحمل جملة من الأفكار والتصورات ويرفعها أيديولوجياً إلى مستوى المبادئ والثوابت المحرمة والمحصنة والبعيدة كل البعد عن مجال النقد أو النقاش وتنسب إلى أصحاب هذا النمط صفات: الانغلاق والتقليدي والقديم، كما يوضع ذلك ضمن خانة الجمود الفكري والعقائدي.

الثاني: هو النمط الذي نخرت فيه التكنولوجيا حتى النخاع ويشمل بصورة أساسية شريحة الشباب التي ارتبط سلوكها ونشاطها الحياتي ارتباطاً عضوياً بأجهزة التقانة الحديثة ومخرجات هذه التقانة، تلك الوسائل الالكترونية وهذا الفضاء الرقمي أحدث تغييراً كلياً في شكل الحياة ومضمونها وفي طرق التلقي والتفاعل التبادلي، وفي عملية تكوين الوعي العام وكذلك في تأسيس البنية الفكرية السائدة، حيث يكتسب أتباع هذا النمط صفات: التجديد والحداثة، ويوضع هذا الأداء في خانة المرونة والانفتاح والتواصل الفاعل.

وفي التاريخ الحديث والمعاصر شهدت الأيديولوجيا عصرها الذهبي في البلاد إبان مرحلة الاستقلال من المستعمر الفرنسي، حيث أصبحت صورة الصراعات الأيديولوجية تتكشف وفق ملامح واضحة المعالم وتركزت اهتمامات القوى والحركات والتيارات السياسية والفكرية آنذاك على ضبط وتنظيم وتعبئة هذا الحراك الجماهيري بصورته الثورية ضمن أشكال وقوالب أيديولوجية كالأحزاب السياسية والحركات التقدمية، وبدأ كل مكون أيديولوجي يشكل القاعدة الجماهيرية الخاصة به ويحدد الخط العام لعمله والذي يشمل جملة من المبادئ العامة والمنطلقات النظرية والبرامج العملية والذي عزز هذا المنحى وأرسى قواعده هو الواقع الموضوعي السائد في تلك المرحلة حيث كان المزاج الجماهيري العام مندفعاً بقوة نحو موجة العصف الأيديولوجي فكانوا يتمسكون بالنسق والتيار الذي كان يجسد أفكار الناس وتطلعاتهم ويحدد شكل ومضمون علاقاتهم مع القوى الأخرى وتباعاً أخذت تلك الإرهاصات تتوضح أبعادها وتتجلى ملامحها على الساحتين السياسية والفكرية وعلى المسارات التي توجه سياسات السلطة والمجتمع.

ويمكن القول بنوع من الجزم: إن الدخول الجامح للتكنولوجيا والتقانة بمختلف حواملها لا سيما الشبكات الالكترونية ومحركات البحث العالمية غيّب شمس الأيديولوجيا لتبقى كتراث فكري محفوظ في المكتبات والكتب. وأوضح مثال مادي في هذا الشأن هو انتهاء العمر الافتراضي للمذياع والمسجل الآلي الذي جسد لفترة من الزمن وسيلة النهضة الحاملة لتوجهات السلطة السياسية ووقائع الحياة الاجتماعية.

وفي الخلاصة من الضروري لكل القوى والمرجعيات الفاعلة والمؤثرة التطلع إلى حياة المجتمع ومستقبله بنظرة تأملية فاحصة تقود إلى تعزيز القواسم المشتركة وتشييد البناء الجمعي العام على دعائم حقيقية وليس على أفكار معلقة في الهواء حيث نجد أن كل الناس يبحثون عن الأمان والاستقرار وهاجسهم البحث عن سبل ومصادر العيش الكريم وماهية الآليات المشروعة التي تمكنهم من تلبية حاجاتهم وإشباع رغباتهم وهنا نجد التكنولوجيا هي القاطرة التي تسهم إسهاماً فعلياً في تلبية هذه الحاجات والرغبات على عموم تعددها وتنوعها في النشاط الإنساني.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أيهم ناعسة