لست مع تحرير المرأة !!!

العدد: 
15240
خميس, 2018/03/01

سئلت ذات يوم منذ عشرين عاماً في مقابلة تم نشرها في إحدى الصحف: (ما موقفك من نداءات تحرير المرأة سورياً وعربياً؟).

فبادرت إلى الإجابة: أنا لست مع هذه الشعارات كلاً وتفصيلاً لأنها وليدة جهل مطبق بالمرأة كما أنها حصاد جهل كلي بالإنسان بقدر ما هي توجهات عدوانية من قبل المفسدين في الأرض. والمنادون بها سورياً وعربياً مغرر بهم إن لم أقل إنهم يتبنون شعارات ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه الشعارات لم تحقق للمجتمع إلا مزيداً من الخصومات وتحطيم بنية الأسرة، فكيف يتعانق جناحان أحدهما مكسور؟ وأنا شخصياً مع نداء تحرير الإنسان، تحرير الأنوثة والذكورة معاً. إذ من المستحيل تحرير الأنوثة إن لم يتم تحرير الذكورة بنفس التوقيت.

هذه واحدة، أما الثانية: فهل الرجال متحررون حتى ننادي بتحرير النساء؟!

وثالثة الأثافي: المجتمع الحضاري لا يقوم إلا بتحرير جناحيه المتمثلين بالأنوثة والذكورة معاً، وهذا ما يواكب مسيرتي تطلعاً إلى تحرير الإنسان. فتعالوا نحقق تماساً مع الأنوثة باعتبارها قوس قزح أبجديات الكون.

كما أن للعرب لغتهم العربية ولكل أمة لغتها، كذلك للكون لغته الخاصة، إنها لغة التجاذب الكوني، أي (الحب) بدءاً من النجوم والكواكب والأقمار وانتهاء بالمجرات التي تتجسد علاقاتها على طول استمرار الأزمنة بالتجاذب المستمر، أي بالحب، ولولا هذا الحب لما رفع رب العزة السماء بلا عمد مرئية لأن هنالك أعمدة قوامها الحب أو التجاذب الكوني وبذلك يتم اكتشاف اللغة الكونية بكل مفرداتها، كما أن مفردات الإنسان والحيوان والنبات وكافة الكائنات التي نعرفها ونجهلها تتمثل لغتها بالتنامي الحيوي إلى أجل مسمى، وهذا ما يقودني إلى القول: إن من مفردات اللغة الكونية (النحل والأزهار والثمار) وعلى رأس الهرم منها تتمركز المرأة لأنها التجسيد المتعالي للغة الكونية واللغة الحيوية بحكم قدرتها على الجذب والتجاذب كما بحكم امتلاكها لقانون التنامي الحيوي ما لم تدركها النهاية أو الموت، وهذه النهاية مؤقتة إلى يوم النهاية الكلية والمؤقتة للكون المعروف بيوم القيامة ليغدو الكل في خمود ونوم عميق إلى يوم يقوم فيه الأشهاد ببعث جديد لجنس الأرض وما تحتضنه من كل شيء بهيج لأنها موطن الجنة كما سبق أن أوضحت في دراسة لي (الكون بين القرآن وفيزياء الفضاء).

فماذا عن المرأة هذه المفردة المتعالية من مفردات اللغة الكونية؟!

الحب والتجاذب بين الذكر والأنثى قوامه العطاء لأنه لا حب بلا عطاء والمرأة أكثر قدرة على العطاء وهذا يعني أنها أكثر قدرة على الحب الذي يقوم على التعايش المتسامح حتى وإن كانت هنالك اختلافات في الأفكار والعقائد والانتماءات الجغرافية ومع كل الاختلافات يتوالد الحب، وبين التجاذب والتحابب موجة كما أن بين الحياة والموت لحظة، ولهذا لا تنسى المرأة قسمات من ساكن قلبها ونام واستراح على صدرها لأنها تحتفظ بنبضات الكون بإيقاعها المموسق والمشرق بالفرح، ولهذا كل شيء فيها يغري باللحظات الحالمة وتكسو ملامحها ابتسامات تحاكي بسمات الطبيعة والفضاء كما تحتضن عوالم لا نهائية من الاحتمالات والتساؤلات والتأويلات المتضاربة كأمواج المحيطات، في حين تبدو للناظرين كأنشودة تصغي لإيقاعها الجداول والأقمار والليل والنهار. وبقدر ما تستحلها عتبات الريبة بقدر ما تسارع إلى الاغتسال في بحار التوبة من أدران الخطايا وحينما تبكي ألماً تسترق أصوات السماحة والغفران لأنها كالربيع الذي يولد الأزهار والورود والثمار للناظرين والآكلين كما تولد الشمس الدفء ويبعث القمر النور للأحياء أجمعين.

ولهذا أميل إلى القول: إن الأنثى لا تنتمي إلى الطبيعة بقدر ما تنتمي إلى عالم أسمى لا أمتلك تسمية له، إلا أنها كالطبيعة، إنها معادلة تحل نفسها بنفسها. صحيح أنها تبقى مزهوة بغرورها ما دامت مطاردة من الذكورة المفتونة بإيقاعها لأن الطبيعة لم تفتح أبوابها للذكورة لاكتشاف حقيقتها، فأبواب المرأة موصدة أبداً ما لم يطاردها ويعايشها مردداً في أعماقه: لم لا أحبها وقد جعلت لي من صدرها مهاداً ومن ذراعيها وساداً؟! فها أنذا أمارس حباً يملأ جوانحي ويعزز وجودي بنبضات القلب وإيقاع الوجدان ولهذا أردد أبداً مع الرسول الخاتم صلوات الله عليه: (حببّ إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة) وبعد استئذان حبيبي وقدوتي ومثلي الأعلى وتاج رأسي أقول: أيها الناس من ذكر وأنثى، حبب إليّ من الدنيا : الطيب والنساء والحكمة وجعلت قرة عيني في تدبر القرآن.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد