القارئ العربي الحضاري

العدد: 
15247
خميس, 2018/03/08

نحن حصاد جغرافيات لا تكاد تحتضن سنابلها إلا الهوى ولا تحمل أشجارها إلا الأنانية في هذه الأزمنة المنفية عن مطاوي التاريخ مع أنها كانت بالأمس لا تكتنز سنابلها إلا حب الحصيد وتنوء أغصان أشجارها بالثمار ....

معظمنا مثقل بتضخم الأنا ومشبع بمصادرة الحقيقة المطلقة لأننا سراب في صحراء أزمنتنا المصادرة، نبحث ليل نهار عن الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، والماء يظللنا لكننا لا نكاد نراه مع أنه في جعبتنا .. ولهذا نلوذ بحثاً عن الأجزاء الصغيرة من حولنا .. الأرحام والأحباب والصداقات علّها تؤدي فاعلية لوائح القيم التي غدت كالرياح العاصفات التي تستبدل حراكها في اتجاهات لا وجود لها .. لأننا أبناء جغرافيات أخذتنا النشوة بعبق التاريخ فاستبدلناها بأكاذيب تملأ الفضاء كما تملأ الأفواه.

فكيف لا أصلي لأجل سورية ملحمة العصور منذ الألف الثاني عشر قبل الميلاد ورحيق الحضارات ومهد الأنبياء التي بارك الله فيها للعالمين كما جاء في الآية 71 من سورة الأنبياء؟! وكيف لا أصلي لأجل جغرافياتنا العربية التي نسج أريجها القرآن منذ أكثر من 1400عام واحتضنت تفجراتها الإبداعية توهجاً حضارياً للبشرية جمعاء وجاء الآخر فاستعارها إن لم أقل سرقها وأقام مدينة مزهرة بلا روح وبلا نداء وجداني حي؟؟!!

هذا ما كان يولد في كياني البحث عن القارئ الحضاري الذي افتقدناه منذ قرون متوالية .. لكنني كنت أتلمسه هنا وهناك بين حين وآخر في جغرافيات الضاد .. وقد اصطادني مؤخراً شعاع القارئ الحضاري ممثلاً بالصديق الأستاذ عبد الرحمن جبلي الذي أصبحت أناديه (قاضي القضاة) بحكم عمله الوظيفي وإن كان يحمل اسماً آخر قوامه القارئ الحضاري الذي اكتشفته من خلال لقاءاتنا الدافئة في بيت الصديق المثقف ورجل الأعمال المهندس خليل نيازي وعبر تماوجه مع صفحات كتاب (الرحيل إلى الغد – إضاءات في الإنسان والحب والحضارة) فاسمحوا لي بتقديم ضياء من رحلته مع كتاب الرحيل إلى الغد الذي وضع عصا في عجلات مقولتي التي كنت مستمسكاً بها .. نحن أمة لا تقرأ .. وإذا قرأت لا تتدبر .. وإذا تدبرت لا تفعّل ما تدبرته على أرضية الواقع .. ولنقرأ ما يقول صديقنا الحضاري: (من المؤكد أن المستقبل يحمل للغرب الهزيمة، ولكن على يد من هذه الهزيمة؟! إن الخطوة الأولى في طريق الرحيل إلى الغد هي التوجه إلى الأمام) هذا ما خطه يراع القارئ الحضاري في نهاية موضوع بعنوان (أين الله) في الصفحة 45 من الكتاب المذكور، بيد أن الرحيل إلى الغد يستبطن اتجاهين كما تعلمون:

1 –اتجاه زماني أو رحيل يراد به هدرجة التطور الصاعد لصالح الإنسان .. وهذا ما أتقنته بإحكام الحضارات السورية في جغرافيات الهلال الخصيب، واتجاه رحيل زماني إلى الغد استهدف التطور الصاعد لصالح فئة أو عرق أو جغرافية ما، أي إنه كان توجهاً لصالح فريق وليس لصالح البشرية جمعاء، وهذا ما حققه الإغريق والرومان وحديثاً الغرب الأوروبي والأمريكي. فالرحيل لصالح فئة خاصة بهم على حساب العالم الأرضي كله، وهذا أمر طبيعي من الغرب الذي يجمح بين حين وآخر للهيمنة على العالم .. ولا أظنه قادراً على ذلك على الإطلاق.

2 –اتجاه أو رحيل معقلن ويراد به مواصلة التطور الصاعد بتفعيل المعطى العلمي على أرضية الواقع الإنساني والمادي تواصلاً مع ما بعد الموت.

وهذا الخط النابض بقضايا الروح والنفس والجسد والتهيئة لما بعد الحياة تم تمثله باتجاه أحادي على طول امتداد التاريخ، جسدته الحضارة العربية الإسلامية من دون كل التوجهات الحضارية عبر الأحقاب.

وأكاد أميل إلى القول: إن هذا الخط النابض بالألق الروحي دفع والد محمد إقبال إلى القول: (يا بني اقرأ القرآن كأنه ينزل عليك) واعتمد الابن التوجيه الأبوي اعتماداً كلياً فأصبح محمد إقبال شاعراً ملهماً ومفكراً حضارياً كما اتضح من إنجازاته وأعماله وعلى وجه الخصوص كتابه الهام (تجديد الفكر الديني في الإسلام) فكان مفخرة عصرنا لكل أولي الألباب. وهذا ما حدا بالقارئ الحضاري الأستاذ عبد الرحمن جبلي إلى طرح التساؤل التالي معلقاً على موضوع كتاب (الرحيل إلى الغد) بعنوان (ألست بربكم) وهذا التساؤل توزع إلى تساؤلات: تدبر القرآن هل هي مهمة من يقرأ أم مهمة الفقهاء؟ وبناء الفرد والمجتمع بمنطق القرآن مسؤولية رجال السياسة أم رجال الدين ومعظمهم يقولون على الله ما لا يعلمون؟

مثل هذه التساؤلات التي تتمركز في قمة الوعي الفردي والاجتماعي تعج بها صفحات الكتاب، وأظن معظمكم يعرف موقفي العقلي من الكهنوتين الديني والسياسي كما يعرفه هذا القارئ المستمسك بفقه المفردة والعبارة وفضاءاتها المختلفة حتى خيّل إلي أننا كنا معاً حين رصفت الكلمات كما كنا معاً بتوجهاتنا تلقاء الحقيقة المطلقة لأننا شربنا حتى ارتوينا مع ينبوع واحد .. من كتاب الله المقروء ممثلاً بالذكر الحكيم ووصفنا حياتنا الآنية والمستقبلية على صفحات كتاب الله المخلوق مجسداً بهذا الكون الكبير.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد