الأديبة غادة اليوسف والكتاب !!!

العدد: 
15252
ثلاثاء, 2018/03/13

أظلم معظم الحقائق إذا قلت: إن سورية تأبدت في التاريخ، والأكثر دقة القول: إن التاريخ تأبد من خلال سورية كما ابتدأ منها، لأنه سجل زمني لحياة الإنسان، والإنسان بدأ من سورية منذ 12 ألف عام حيث شمخت بعبقها الحضاري وأبدعت الحياة وصاغت أشكالها وهي تضاحك الأزمنة بعطاءاتها كما تتحقق الأزمنة بعطاءاتها حينما يتحرك الأشرار تلقاءها أو في جغرافياتها ممن تلوثوا بشهوة استرقاق التحضر النقي الذي توالد في أرجائها كما توالد التين والزيتون في جنباتها قبل بدء البدء.

هذا ما كان يدور في خاطري بعد أن قرأت منشوراً على الفيسبوك للصديق الدكتور سعد الدين كليب توجهاً تلقاء مديرية الثقافة بحلب لحضور اللقاء القصصي للصديقة الأديبة سها جلال جودت والقاص كامل مسقاني والقاصة ندى الدانا بإدارة الصديق الأديب أسامة مرعشلي، تحدثت قليلاً في هذه الندوة مشيراً إلى ما تضمنه هذا المنشور الذي يفيد بأن غادة اليوسف اتخذت قراراً بإلقاء مؤلفاتها في الحاوية، وأنا مع انفعالاتها المبدئية مع أنني لم أتشرف بمعرفتها، إلا أنني لست مع تفعيلها على الإطلاق. وكنت أتمنى أن تعمد إلى توزيع ما لديها من مؤلفات على أحد عشر مواطناً من الإناث والذكور ممن يحبون الحياة وكل من يحبون الحياة يحبون القراءة والمعارف والعلوم والفنون لأنهم يسيرون في دروب تحقيق خلافة الله في الأرض ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة  قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم تعلمون، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) سورة البقرة آية 30-32 هذا الاستعراض القرآني يوضح لنا أبجديات التوجه الإلهي من خلق البشر كلهم ليؤدوا مهمة موكلة إليهم قوامها إعمار هذا الكوكب السابح في الفضاء وتحقيق نقلة نوعية للأرض عن طريق البشر مؤمنهم وكافرهم ولكن بشرط جوهري أن يكونوا ممن يحبون الحياة ليحققوا استمراريتها بتحقيقهم خلافة الله فيها .. والله خالق فيجب أن يكونوا خلاقين .. ولا يحقق خلافة الله في أرضه إلا من يحبون الحياة .. أي ممن يحييون وليس من يعيشون، لأن العيش يتحقق به ويحققه كثيرون، أما من يحييون فهم قلّة وهم بناة الحضارة وهذا ما يذكرني بمقولة لأحد أبطال الروائي جيمس جويس إن لم تخني الذاكرة (أين الأيام التي أمضيناها بالعيش) يريد الإفصاح بأنها كانت هباء منثوراً.

وعودة إلى النص القرآني الآنف الذكر وتساؤلاً عن قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) فأنا لا أفهم منه ما فهمه الأوائل مع احترامي لجهودهم إنما أدرك منه أن ذا العزة والجلال علم آدم أبجدية الأشياء بدءاً من الإنسان والحيوان والنبات وصولاً إلى المعادن وأشباه المعادن والماء والتراب والنور والضوء عروجاً إلى السماء بأقمارها وكواكبها ونجومها ومجراتها ..وهذا ما نسجه تاريخ التوجه الحضاري في جغرافيات الهلال الخصيب ثم تواصل النسج الحضاري من حملة القرآن في كل الفضاءات المعرفية بدءاً من المعتزلة والمتصوفة والفلاسفة والمفسرين للنصوص التأسيسية وصولاً إلى الفقهاء الأوائل والأدباء والمؤرخين والأطباء والصيدليين وعلماء الفلك لأنهم كانوا يأكلون ليعيشوا في حين أن الآخرين يعيشون ليأكلوا، وليس من يأكل ليعيش كمن يعيش ليأكل كما تعلمون جميعاً. وهذا ما مكنهم من نسج هذا التوهج الحضاري العربي والإسلامي لقرون عدة وساعد الغرب في الخروج من الظلمات إلى النور.

وعودة إلى حكاية الأديبة غادة اليوسف ما يحدوني إلى تذكيرها بالأدب النسوي عربياً وسورياً من السيدة سكينة ابنة الحسين التي كانت تتصدر الحضور الأدبي في وقت مبكر جداً وتستقبل كل ذوي التوجهات العلمية والأدبية في ذلك الزمن إلى العصر الحديث الذي احتضن أديبات مميزات أذكر منهن: وداد السكاكيني - مي زيادة – سلمى الخضراء الجيوسي – فدوى طوقان – غادة السمان وكوليت خوري وفي حلب بالذات صدحت منذ وقت مبكر ماري عجمي بصوتها الأدبي إلى يومنا هذا حيث ضياء قصبجي وسها جودت وندى الدانا إلى آخر ما هنالك ممن لا يتسع المجال لذكرهن.

وأنا على يقين بأن أديبتنا غادة خرجت منها تلك الكلمات عن (نزق) ككل البشر لأنها تعلم وتقر بأن موضع الكتاب هو الأدمغة والرفوف العليا.

وختاماً أهمس في أذن أديبتنا الأستاذة غادة اليوسف .. مع إشراقة كل شمس .. صباحك نور أنت والحضور.. ومع غيابها.. مساؤك ياسمين يا ابنة الأكرمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد