بروجٌ تليق بالمقام

العدد: 
15258
اثنين, 2018/03/19

وبعد بابا عمرو، وبعد جوبر، ها هي الغوطة..

ويمشي الهوينى على وقع انتصارٍ في تلك الغوطة التي استنقعت. يأخذ طريقَ الحبّ مسلكاً لأحلامه، ينداح شوقُ الياسمين نحو البياض.. ها هي العصافيرُ تشدو، ترفرف حبوراً حين ترمقُ موكباً كبيراً عاليَ المقام محاطاً بكل الفضاءات إلا من مرافقة، ويالها من مصادفة! ها هي الفرصة! وتنطلق العصافيرُ لتحطَّ على الجوانب، على الميمنة وعلى الميسرة، تزقزق، ترقص كأنها أدركت صوبَ المسير.. الموكب يسير، وشاءت إلا أن ترافقَه، تغمرُه شمسٌ دمشقيّةُ التكوين، وعطرٌ منثورٌ شوقاً وولهاً بانتهاء مأساة شعبٍ هدّه الأنين..

الموكب يسير، وصوتٌ دمشقيُّ البحّةِ يعلن الزيارةَ بصريح العبارة. يرسم تفاصيلَ الطريقِ بقيادة ماهرة يحدوها الكبرياء. لا أحد في الشوارع متنبّه لموكب الإباء سوى قلوب أبطالٍ في شوارعَ أخرى استعدت لهذا القادمِ العريق.. وينتهي الطريق.

ويحطُّ النسرُ بين القلوب، يبتعد قليلاً عن الخرائطِ ليفاجئَ العالمَ من وسْط الميدان. يأسرُه الجمالُ والنصرُ ويطلق للعواطف العنان.. وتحيّة عسكريّة تضجّ في الفضاء، ومرافقة مدجّجة بحقيبةِ حبٍّ وحقيبةِ أمان. ولم يبقَ في الغوطة بعد صبرِ سبعٍ، ولأي زمنٍ سوى ضجيجٍ، إنه ضجيج المكان.

وتهتف الحناجرُ، وتهفو القلوب، ويتسمّر العالمُ على الشاشات، إنه هو ابنُ الشآم، ابنُ المدينةِ المكللةِ بالغار، يعلن الانتصارَ على خطوط النار. وينطلق الفرحُ من مكان، والغيظُ من مكان.

ها هو بين جنوده، يصافحُ، يباركُ، يعلي الراياتِ عالياً، ونصرٌ مؤزرٌ يرفرفُ في الوديان.. يلوّح لأبطال الغوطة، وينصتُ إلى دم الشهداء، وينظر إلى أعلى، ها هو برجُ الدبابة فيعتليه، وليس هناك إلا البروج، بروج العلى التي تحاكي السماء، تلك التي تليق بالمقام، زمن الحرب وزمن السلم، يا نسر الشآم.

حلب
الكاتب: 
بيانكا ماضيّة