فردوس حلب .. حي زاخر بالحضارة والأوابد الأثرية التاريخية

العدد: 
15266
ثلاثاء, 2018/03/27

حي الفردوس حي حلبي قديم يقع جنوبي حلب، ملاصق لحيي الكلاسة وبستان القصر جنوب حي باب المقام.

يبدو الشارع العام في حي الفردوس حديثاً ذي أبنية طابقية مبنية بعناية بحجارة بيضاء، ويقبع خلف الشارع العام أزقة أبنيتها تراثية في تشابك معماري بين القديم والحديث قلّ نظيره.

بدت جلية عودة الحياة إلى حي الفردوس وخير دليل على ذلك ازدحام المحلات التجارية بالزبائن والحافلات المرورية التي تغص بالركاب، والازدحام المروري في شوارع الحي.

 تعرفت عن كثب لحي الفردوس أثناء عملي كمهندسة مدنية في إحصاء الأضرار ورصد المباني لصالح مشروع المخطط التنظيمي لمدينة حلب ( شباط 2017) وهناك أحببت صوت ضحكات الأطفال الذي يتردد في جنبات الحي أثناء انصراف التلاميذ من مدارسهم.

شدني صوت أطفال يرتلون آيات من القرآن الكريم... أتاني الصوت محبباً قوياً انساب في روحي قبل أن ينساب في أذني ،وكان وقعه في نفسي كوقع قطيرات المطر على أرض يابسة.

تبعت الصوت لأصل إلى مكان ساحر اسمه المدرسة الظاهريّة وللأسف الشديد لم أكن قد سمعت عنه مسبقاً رغم روعته وتميزه، بداية علمت أن الصوت لأطفال تحدوا آلام الحرب وقصدوا المدرسة الظاهريّة ليتعلموا تجويد القرآن الكريم، فهي الآن معهد لتحفيظ القرآن الكريم يقصدها التلاميذ بعد انصرافهم من مدارسهم لينهلوا من العلوم الدينية.

تشير اللوحة المرمرية المعلقة قرب باب المدرسة الكبير إلى أن السلطان غازي قد بناها عام 1217م في العهد الأيوبي.

شدّني المكان المبهر المسكون بالسحر فاستأذنت المرشدات الواقفات قرب الباب اللواتي استقبلنني بابتسامات عريضة تزين وجوههن النضرة البشوشة.

في البداية دخلت الباحة الواسعة التي تتوسطها بركة مستطيلة الشكل تعلو أطرافها أصص للنباتات التزيينية، ولفت نظري بلاط الباحة المرمري الأصفر الذي يداخله بلاط أسود اللون بتشكيلات هندسيّة قلّ نظيرها.

يحيط بالباحة الواسعة بناء من طابقين، يطالعك في صدر الباحة أعمدة ذوات تيجان منحوتة يدوياً بطراز روماني، أما الأبواب المطلة على الباحة فيمتزج في صنعها الخشب مع الزجاج في تشكيلات بديعة.

أخذني جمال المقرنصات تلك الزخارف البديعة الشبيهة بخلايا النحل، والمقرنصات عامل إنشائي زخرفي تجميلي للتدرج من الشكل المربع إلى الشكل الدائري وكان دارجاً كنموذج للبناء والتزيين في العهد الأيوبي.

تتألف المدرسة الظاهريّة من عدة أقسام، فعلى سبيل المثال يتألف جناح القبليّة من رواق ذي ثلاث قباب يتوسطه محراب جميل ،أما القسم الشمالي فيتكون من طابقين تتوزع غرف الطلاب على جانبي الممر في طابقه العلوي.

وأنا مأخوذة ببهاء المكان نسيت أني أثناء العمل وأن زملائي ينتظرونني لمتابعة العمل في الحي.

غمرتني سعادة من نوع آخر لأني تعرفت إلى أجمل مساجد ومدارس حلب القديمة (المدرسة الظاهريّة) التي لا تزال تنبض بالحياة على الرغم من كل الظروف الصعبة التي مرت على الحي.

على بعد ثلاثمائة متر من المدرسة الظاهريّة طالعني مسجد ضخم عالي السور تطل من خلف سوره الحجري عدة قباب متجاورة مصطفة إلى جانب بعضها البعض في تصميم هندسي قلّ نظيره أيضاً.

ومن خلال اللوحة المرمريّة المعلقة قرب بابه عرفت أنه جامع الفردوس وقد بنته الملكة ضيفة خاتون عام 1235م في العهد الأيوبي، وهذه المعلومات منقوشة بخط عربي باهر على سوره العالي، كما نقشت آيات قرآنية من الذكر الحكيم على جدران المسجد من الداخل.

والملكة ضيفة خاتون بنت أكثر من صرح حضاري في مدينة حلب مما يدل على مكانة المرأة في العهد الأيوبي.

أما أقسام مسجد الفردوس فهي: القبليّة والصحن والإيوان الشمالي والمدرسة والتربة والرباط والحجازية.

يطل المسجد بكل بهاء متحدياً كل ما أشيع عنه، كما يتميز بمدخله الجميل ومحرابه الأثري.

يقال أن حي الفردوس في العهد الأيوبي كان يقع خارج سور حلب في بقعة رائعة الجمال سميت بالفردوس تشبيهاً لها بالجنة، فأنشئت هناك الأوابد العلمية التعليمية ذات الصبغة الدينية لينصرف الطلاب كلياً للعلم وليبتعدوا عن مشاغل الحياة المدنيّة.

أحببت تسليط الضوء على حي الفردوس لأنه حي زاخر بالحضارة والأوابد الأثرية التاريخية، ولكن ما يجعل الحي فردوساً حقيقياً هم سكانه الكرام.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش