القصيدة المغيبة

العدد: 
15269
جمعة, 2018/03/30

أخذت جنى ذات الأعوام السبعة تتدرب على القصيدة التي ستلقيها في حفل المدرسة الأسبوع القادم... فيتناهى صوتها الناعم الطفولي لمسامع والديها الجالسين بغرفة الجلوس فترتسم على وجهيهما ابتسامة رضا.

بدت جنى متحمسة سعيدة تنبض بالحياة، أخذت جنى تدخل غرفة الجلوس والقصيدة بيدها لتسأل والدتها عن معنى بعض الكلمات التي لم تفهمها، فتعود راكضة إلى غرفتها لتكمل التدريب ليكون المساء سعيداً لا يشوبه حزن أو غصة.

اكتملت هناءة المساء بزيارة الجدة الحبيبة لهم حاملة معها دمية صغيرة كهدية لجنى الغالية.

تناست جنى التدريب على القصيدة لتمضي المساء برفقة جدتها فتقبّل يدها وتأخذ الدمية فرحة ... لتعلم جنى جدتها بعض الكلمات الفرنسية التي تعلمتها بالمدرسة.

نامت جنى تلك الليلة في سريرها الزهري الصغير تحلم باللحظة التي ستقف بها بالحفل ملقية القصيدة وسط تصفيق الطلاب والمعلمات مرتدية فستانها الجديد...لينبض قلبها الصغير بالفرح.

في صبيحة اليوم التالي ... أحد صباحات حلب الموشاة بقطرات الندى, حيث النسائم الخريفية تداعب أغصان الشجر، فتتساقط الأوراق الخريفية الصفراء على الأرصفة الوحيدة.

أحد الصباحات المكحلة بصوت فيروز، المعطرة بهمس العصافير الشجية المضمخة بعطر الورد البهي.

في ذلك الصباح جدلت جنى شعرها الأسود، حملت حقيبتها المدرسية على كتفيها، لم تنسَ موزتها وتفاحتها، وخبأت لعبتها الجديدة التي أهدتها إياها جدتها في مخبأ سري في حقيبتها لتري اللعبة لصديقتها.

كان للياسمين عبق جديد، ولقطيرات المطر همس حب آسر، وللشمس التي خبأت جديلتها خلف غيمة عابرة قصة لم تفهمها جنى يومها.

وصلت جنى للمدرسة وكانت قد حفظت دروسها وكتبت وظائفها على أكمل وجه، فصفق الطلاب لها، فتمايلت مختالة بذكائها.

وفي الفرصة ركضت فرحة لاهية مع رفاقها فيما ضفيرتها السوداء اللامعة تتقافز على ظهرها، وحين رنّ الجرس معلناً انتهاء الفرصة والعودة للدروس ... همست جنى فرحة:" إنّه درس الرياضة".

خرج الأطفال إلى الباحة بملابسهم الرياضية فيما قلوبهم الصغيرة تتراقص فرحةً مع كل حركة يقلدون بها مدرسة التربية الرياضية.

وفجأة سمع الأطفال صوت دوي هائل وظهرت نار مخيفة وتطايرت في الأرجاء الشظايا الملتهبة.

أصمّ ذلك الصوت آذانهم وأوجل قلوبهم وأرعبهم ...بكى كل أطفال المدرسة خائفين، ورأوا دماء رفاقهم على بلاط باحة المدرسة فازدادوا رعباً، ثم قدمت سيارات الإسعاف البيض بصوتها المدوي وأخذت بعض الأطفال فيما بقي الآخرون باكين في قبو المدرسة.

ذهبت جنى برفقة سيارة الإسعاف مغمضة العينين فظنوا أنها نائمة تحلم بغد جديد ووطن بلا دموع.

لم يعلم الأطفال أن جنى رحلت إلى الجنة برفقة معلمة الرياضة وسبعة رفاق آخرين...لم يعلموا يومها أن جنى التي رأوها مسجاة على أرض المدرسة بملابس رياضية موشاة بدماء طفلة بالسابعة لن تعود البتة.

في اليوم التالي أخبر الأهالي أبناءهم أنهم ذاهبون للمشاركة بجنازة رفاقهم فعلموا أن جنى ورفاقها بالجنة حيث لا حرب ولا دموع ولا أحقاد, وأدركوا أن للموت صوت دوي هائل بعد أن ظنوه صامتاً.

شاركت السماء المدينة المحزونة وبكت أثناء الجنازة لتقتسم الحزن مع تسع عائلات فجعت بفقد أبنائها ... وكان الموكب مهيب لثمانية نعوش صغيرة ونعش كبير يتبعهم سيل من السيارات وسيل من دموع الأمهات والجدات الثكالى.

اعتصر الألم القلوب لمرأى الأهالي يودعون أبناءهم بطن الأرض وبكت أمهات الشهداء الدموع دماً.

في العزاء بقيت الورقة التي كتبت عليها القصيدة بيد والدة جنى...بينما يتردد صوتها الطفولي في خلدها، تتلو القصيدة ...

كان صوت جنى يأتيها خافتاً بعيداً مخنوقاً يهمس في صحراء من الأسى:

"شرف الطفولة أنها

خطر على أمن القبيلة

إني أُبارككم بمجد يرضع الدم والرذيلهْ

وأُهّنئُ الجلاد منتصراً على عينٍ كحيلة

كي يستعير كساءه الشتوي من شعر الجديلة

مرحى لفاتح قرية !.. مرحى لسفاح الطفولة" !..

 ومرت الأيام وبقي مقعد الشهيدة جنى في الفصل المدرسي فارغاً وأصرت أسرة المدرسة على إقامة الحفل لتحوله من حفل بهيج لحفل تأبيني.

وحضر الحفل أولياء الأمور والطلاب والمعلمين ،وأثناء الحفل التأبيني تم تكريم أمهات الشهداء اللواتي ذقن مرارة الفقد...لتبقى القصيدة  التي حفظتها جنى لتلقيها في هذا الحفل مغيبة كما الشهيدة الطفلة.

-القصيدة للشاعر الراحل محمود درويش بعنوان (أزهار الدم) من ديوان (آخر الليل نهار).

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش